الإعلان عن "مجلس السلام " سيتم بدون أموال و ضمانات وعلى حساب العلاقات "الإسرائيلية" الأمريكية
ترجمة الهدهد
هآرتس
تسفي برائيل
22 يناير 2026
تتزايد قائمة الدول التي أعلنت استعدادها للانضمام إلى نادي السلام الذي يرعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق رغبته الكاملة. وبحلول موعد الإعلان الرسمي عن تأسيس "مجلس السلام" اليوم (الخميس)، ستكون دول أخرى قد انضمت إلى هذا المنتدى، إذ باتت المشاركة فيه أقرب إلى بادرة اعتراف بهيمنة ترامب على الساحة الدبلوماسية العالمية، وأقلّ أهمية من كونها إطارًا يُمكن أن يُسهم في إيجاد حل واقعي لأزمة غزة، وهو السبب الرئيسي لتأسيس المجلس.
يبدو عموماً أن إنشاء المنتدى قد أصبح إنجازاً في نظر ترامب: وسيلةً لإنشاء هيئة منافسة، موازية أو أعلى من الأمم المتحدة، بقيادة الولايات المتحدة. انظر إلى الخلافات بين ترامب والدول الأوروبية، ورفض العديد منها - وعلى رأسها فرنسا والسويد والنرويج - الانضمام إلى المجلس بسبب سلوك الرئيس تجاه حلفائه. هذا يُوحي بأن غزة تحديداً وفلسطين عموماً قضايا هامشية مقارنةً بالخطر الذي يُمثله ترامب حين يُقسّم العالم بين مؤيديه ومعارضيه. وتدور رحى هذا الصراع العالمي حول مئات الآلاف من سكان الخيام في غزة، الذين لا يعلمون من سينجو من الشتاء، وكيف ستُوفّر لهم هرم المجالس واللجان والآليات المُفترضة لإدارة القطاع أي أمل في الحياة.
ليس من المرجح أن تدفع جميع الدول المنضمة ضريبة العضوية الباهظة، التي تبلغ مليار دولار، للحصول على مقعد دائم في المجلس. ويعود ذلك جزئيًا إلى عدم وضوح وجهة هذه الأموال بالنسبة لها، بعد أن أوضح البيت الأبيض أنها ليست مخصصة لإعادة إعمار غزة. ويأمل ترامب في الحصول على هذه الأموال من مصادر أخرى، لكن حتى هذه "المصادر الأخرى" لا تزال غامضة. ولا يزال الافتراض الذي رافق المشروع منذ الإعلان عن الخطة العشرين، والذي ينص على موافقة دول الخليج الغنية على تمويل مليارات الدولارات اللازمة لإعادة إعمار القطاع، بحاجة إلى تأكيد
في الوقت الراهن، لا يدعم هذا الافتراض التزام رسمي وعلني، فضلاً عن عدم وجود دعم مالي صريح. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية، الدولة التي انطلقت منها خطة النقاط العشرين، انضمت إلى المجلس في اللحظات الأخيرة. ولكن ينبغي الانتباه إلى البيان الصادر عن الحكومة السعودية يوم الثلاثاء في اجتماع ترأسه الملك سلمان. في البيان المفصل، رحبت الحكومة بإعلان ترامب عن إنشاء مجلس السلام وبدء المرحلة الثانية من "خطة السلام الشاملة"، إلى جانب "بدء عمل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة". إلا أنه لم يرد فيه أي ذكر لنية الانضمام إلى مجلس السلام.
في المقابل، شددت السعودية على "ضرورة ترسيخ وقف إطلاق النار، ووقف انتهاكاته (من جانب إسرائيل - )، وضمان دخول المساعدات الإنسانية دون قيود، وإضفاء الشرعية على تولي السلطة الفلسطينية مسؤولية إدارة غزة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفقًا لقرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية ومبدأ حل الدولتين". وقد نُقلت هذه الوثيقة كاملةً تقريبًا، لأن السعودية تُبين بوضوح مدى التباين الكبير بين موقفها والواقع الذي تُطالب بتغييره على الأرض، إذا ما أراد ترامب منها أن تكون شريكًا مسؤولًا يتحمل أيضًا عبء تمويل حل مشكلة غزة. ويتضمن البيان السعودي جميع العناصر التي تعارضها إسرائيل، والأهم من ذلك، أنه يُذكّر ترامب بالنتائج التي تم التوصل إليها معها في واشنطن. ومن أبرز هذه النتائج ضرورة وجود قناة مستدامة تُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية.
السعودية ليست من الدول الموقعة على اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة في شرم الشيخ. وعلى عكس قطر ومصر وتركيا، فهي ليست من الدول الضامنة لوجودها. ويبدو أنها، حتى بعد إعلان انضمامها إلى "مجلس السلام"، ستنتظر لترى كيف سيدير ترامب الأمور بعد انتهاء خطابات الثناء والإطراء والرؤية في دافوس، قبل تحديد طبيعة مشاركتها. بتأجيل إعلانها، أوضحت أنها لا تنوي أن تكون مجرد "دولة شكلية" في يد ترامب. في مقابل شراكتها الحيوية، لن تكتفي بمقعد في المجلس، حيث يحتفظ ترامب بحق النقض (الفيتو) على جميع قراراته. صحيح أن الإمارات العربية المتحدة وقطر يمكنهما شغل مكان السعودية فيما يتعلق بتمويل الخطة، لكن هذا يعني أن قطر ستصبح مرة أخرى مصدر تمويل غزة - بكل ما يترتب على ذلك من تبعات سياسية.
لا يقتصر الأمر على المال فقط، بل هناك عقبة أخرى تعترض طريق مجلس السلام. ففي يوم الجمعة الماضي، أعلن البيت الأبيض قرار ترامب بتعيين الجنرال جاسبر جيفرز، قائد القوات الخاصة التابعة للقيادة المركزية، رئيساً لـ"قوة الاستقرار الدولية" في غزة. وتنص مهمته على أنه "سيقود العمليات الأمنية، ويساعد في عملية نزع السلاح الشاملة، ويضمن النقل الآمن للمساعدات الإنسانية ومواد البناء لإعادة الإعمار".
لا يُوضح مصطلح "العمليات الأمنية" طبيعة النشاط الأمني، ولا أسلوب العمل، ولا تعريف العدو، ولا تعليمات بدء إطلاق النار. والأهم من ذلك عبارة "المساعدة في نزع السلاح". فليس من الواضح نوع المساعدة المُقدمة فحسب، بل من غير المعروف أيضاً من ستُساعد. وقد أعربت عدة دول في الأشهر الأخيرة عن استعداد متحفظ ومشروط وغامض في الغالب للمشاركة في القوة متعددة الجنسيات. كما سحبت دول أخرى دعمها، ومن الناحية العملية، لا توجد مثل هذه القوة حتى الآن. حتى تركيا، التي أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني أنها بدأت تدريب 2000 مقاتل للمشاركة في القوة متعددة الجنسيات، لم تتخذ قراراً نهائياً بشأن هذه المسألة. وبنغلاديش، التي أعربت عن استعدادها للانضمام إلى القوة قبل أسبوعين، لم تُوضح الشروط التي ستُطبق بموجبها وعدد الجنود الذين ستُشارك بهم.
في غياب مصادر تمويل متفق عليها ومضمونة، وبدون جنود لتأمين الأنشطة الإدارية لـ"مجلس الخبراء" الفلسطيني، يُشبه "مجلس السلام" بأقسامه الفرعية الآن هيكلاً مؤقتاً غير مستقر.
في هذا السياق، قد يتساءل المرء عما إذا كانت هناك حاجة أصلاً لمثل هذا الهيكل المتضخم، المليء بالتنافسات السياسية والتناقضات الإدارية التي قد تقوض الهدف المباشر: إعادة تأهيل نصف غزة. بعد فرض وقف إطلاق النار على "إسرائيل، "أصبح البديل للإدارة المدنية للقطاع موجوداً في رام الله، وعلى أي حال، تضمنت الخطة المكونة من 20 بنداً نقل السيطرة على غزة إلى السلطة الفلسطينية بعد تنفيذ سلسلة من الإصلاحات.
وقد أدى إصرار "إسرائيل" على منع السلطة من ترسيخ وجودها في غزة إلى وضعٍ تُملي فيه الولايات المتحدة قواعد اللعبة والإنجازات التي ترغب في تحقيقها، وهي لا تتوافق بالضرورة مع أهداف "إسرائيل".
لم يزل خطر حماس بعد، وتتوسع الحركة بشكل متزايد في مناطق خارجة عن السيطرة "الإسرائيلية"، لكن بقاءها بات مرهوناً بالمرونة التي سيمنحها إياها ترامب، وكيف سيُعرّف مصطلح "نزع السلاح" (أو نزع سلاح الحركة). هذا يزيد من احتمالية نشوب صراع بين "إسرائيل" وترامب، وبدلاً من صراع محلي، قد تجد الحركة نفسها أمام جبهة دولية محدودة النفوذ.