"نتنياهو" يعلم أنه لم يغير شيئًا في معادلة الردع
شبكة الهدهد - هيئة التحرير
يبذل "نتنياهو" جهودًا كبيرة في بناء رواية النصر ما بعد الجولة الأخيرة على قطاع غزة، وتصوير ما حدث من اغتيال لقادة الجناح العسكري للجهاد الإسلامي سرايا القدس على أنه "إنجاز استراتيجي"، وفي حين لا يمكن إنكار الإنجاز العملياتي في الضربة، لكن ذلك لم يؤثر على الأوزان وطبيعة المشهد الاستراتيجي في المنطقة وقواعد الاشتباك مع أطراف محور المقاومة حزب الله وحركة حماس وإيران.
فالمؤسسة الأمنية والعسكرية تجد نفسها في نفس المكان وأمام التحديات نفسها، خاصة أن الرسالة التي وجهها العدو عبر ضربة الجهاد الإسلامي لا يعرف مدى جدواها وتأثيرها في بيئة صانع القرار عند الأطراف المعنية بالرسالة حزب الله وحماس وإيران.
اختار حزب الله الرد على رسائل العدو وتبجحه بالردع، عبر تنفيذ مناورة عسكرية تحاكي اقتحام الحدود الشمالية، السيناريو الذي ظل في الزوايا المعتمة وضمن التهديدات المتبادلة خرج للعلن بصورة قوية لقوات النخبة في حزب الله المسماة "الرضوان"، أكد الحزب من خلال المناورة أن اقتحام الحدود ليس شعارًا، وأنه ضمن الخيارات الهجومية العملية في حال اندلاع حرب ووجود الجهوزية لوضعه قيد التنفيذ.
هذا المشهد الهجومي الذي نفذه حزب الله زاد من التعقيدات في وجه صانع القرار الإسرائيلي، فحسب المعطيات فإن 40% من القوات النظامية في جيش الاحتلال تتمركز على الجبهة الشمالية تحسبا لهجوم مفاجئ من حزب الله، كما أن قدرة الاحتلال على تنفيذ عمليات إجلاء واسعة من حدود لبنان والجولان غير عملية بحكم الكثافة السكانية التي تختلف عن مستوطنات غلاف غزة التي يتواجد فيها بضعة آلاف من المستوطنين، وتم إجلاؤهم لخارج منطقة الغلاف ومنع الحركة على بعد 20 كلم من حدود غزة تحسبا لسيناريوهات هجومية للمقاومة. وهو ما يعني وصول الإخلاء ومنع الحركة في حال تطبيقه في الشمال لمدينة عكا المحتلة على الأقل.
بعد عملية مجدو عانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من مأزق عملياتي في الكشف عن طريق التسلل، بالإضافة لمعرفة عدد المتسللين، وهل هناك متسللون دخلوا وعادوا عبر الحدود، السؤال الأكثر تعقيدا أمام الاحتلال ماذا لو انهارت الحدود في المواجهة القادمة، ودخل مئات المقاتلين، هل يمتلك القدرة على ملاحقة مجموعات صغيرة مدربة تدريبا عسكريا عاليا ومجهزة بعتاد وقدرات حربية عالية.
في اجتماعات هرتسيليا بدأت الجهات الأمنية والعسكرية تتحدث عن تحولات استراتيجية في جبهة البحر يقودها الإيرانيين، تشكل خطراً إضافياً للمخاطر الموجودة، حيث حولت إيران سفن مدنية لمنصات وقواعد عسكرية عائمة محملة بأسلحة ثقيلة، وهو ما يزيد من أزمة العدو ويقلل من قدرته على اتخاذ قرار المواجهة مع إيران أو الجبهة الشمالية وغزة، ويفسح المجال أمام بناء معادلة جديدة في سوريا، توقف العدوان العسكري.
كما طرح مؤتمر "هرتسيليا" مشهد تعقيد العلاقات مع روسيا والصين، خاصة مع الانخراط المتزايد لدولة الاحتلال في الصراع الروسي -الأوكراني لمصلحة أوكرانيا، ونية روسيا تزويد إيران بأسلحة هجومية ودفاعية مخلة بالتوازن الحاصل حاليا، مثل طائرات سوخوي 35 ومنظومات الدفاع الجوي S400، كما أن العلاقة الصينية الإيرانية أثمرت نتائج إيجابية في توظيف الصين علاقتها مع السعودية لنزع فتيل الأزمة مع إيران وهو ما تسبب بوقف مشروع التطبيع. وقلل من دافعية السعودية نحو الانخراط في مشروع كيان العدو توجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
يجمع المفكرون في مؤتمر "هرتسيليا" على أن التغييرات الحاصلة هي ذات مغزى ولها دلالات مهمة، سواء في أبعاد نجاح إيران توظيف علاقاتها مع قطبين دوليين روسيا والصين لمصلحتها في معادلة الشرق الأوسط سياسيا وعسكريا، بالإضافة لعجز دولة الاحتلال عن الإجابة عن التحديات الرئيسية أو التي تحتاج لثمن مرتفع مثل المواجهة مع إيران أو حزب الله، واختيار الاحتلال تنفيذ سياسة استعراضية ضد الجبهات الضعيفة نسبيا مثل سوريا وحروب انتقائية في غزة فمعضلة غزة مركبة بين قوة المقاومة ومعضلة التورط في حكم القطاع مجددا.
عكس تمرير الميزانية مدى استعداد "نتنياهو" لتقديم كل شيء من أجل الحفاظ على استقرار ائتلافه الحكومي، فقد تم صرف 15 مليار شيكل في عمليات الترضيات السياسية للأطراف الحكومية التيار الديني القومي والحريدي، في حين بقيت تحديات المؤسسة الأمنية والعسكرية والتي بالعادة تتصدر نقاش الميزانية غائبة هذه المرة.
كما نجح "نتنياهو" في توظيف الملف الأمني وفكفكته في تغييب الاحتجاجات السياسية ضده، واستطاع أن يبني بعد عملياتي مع المؤسسة العسكرية فيما يخص الملف الفلسطيني في الضفة وحروب محدودة في غزة من أجل الحفاظ على بنية حكومته خاصة أن الضربة العسكرية لغزة كانت بضغط من التيار الديني القومي الذي هدد بحل الحكومة في حال بقاء سياسة الحكومة الأمنية تجاه غزة كما هي.
كما أن "نتنياهو" بدأ يتخلى عن حلمه الإقليمي بصورة مؤقتة لصالح أجندة "الصهيونية الدينية" التي تركز على ضرب الفلسطينيين، ومحاولة الحسم مع الفلسطينيين ميدانيا في الضفة وغزة، وهو ما يجعل الساحة الفلسطينية هي الأكثر سخونة خلال الفترة القادمة.
واليوم يمكن القول إن من يحكم هو برنامج "الصهيونية الدينية"، وليس برنامج "نتنياهو"، ففرص برنامج "نتنياهو" في التركيز على ضرب إيران وصناعة سلام إقليمي مع دول المنطقة يشمل القضية الفلسطيني تراجعت لظروف موضوعية مرتبطة بتغير البيئة الإقليمية نتيجة الصراع الأوكراني- الروسي، ونتيجة المصالحات الإقليمية التي جمدت العداء بين أطراف المنطقة، هذا العداء الذي كانت "إسرائيل" المستفيدة منه في بناء التحالفات وتقوية مكانتها السياسية.
كما يواصل "نتنياهو" تهديد حزب الله وإيران من أجل طمأنة أطراف التطبيع ومحاولة استعادة دافعيتها للمشروع الإقليمي معه، خاصة أن مشهد المنطقة والمصالحات التي تمت فيها تجاهلت المحددات الأمريكية ومصالح كيان العدو بشكل كامل سواء على مستوى مصالحة الدول العربية مع سوريا أو المصالحة السعودية مع إيران، أو حفاظ السعودية على الحياد في ملف الصراع الأوكراني والتوافق مع روسيا في مسألة أسواق الطاقة.
يبقى موقف المؤسسة العسكرية والأمنية غير المتورط بأجندة "نتنياهو" السياسية ومحاولاته الاستعراضية هو الأهم والذي يشخص أن الضربة الأخيرة للجهاد الإسلامي في غزة كانت ذات أبعاد عملياتية لكنها لم تحقق أي إزاحة على المستوى الاستراتيجي في قرار الخصوم الاستراتيجيين لدولة الاحتلال أو تؤثر في إمكاناتهم وتموضعهم وانتشارهم وعلى العكس هناك تقدم من جهة إيران نحو البحر وفرض مزيد من الحصار والجبهات على دولة الاحتلال.
فالمؤسسة الأمنية والعسكرية هي الأخطر لأنها تبني مسارات عملية ضد خصومها في السر وتختار وقت وأهداف التنفيذ مع التأكيد على تراجع تفوقها العسكري على خصومها في المنطقة.