نتنياهو والانتصار الموهوم: بين وعود ترامب وحقائق السياسة
شبكة الهدهد
منذ صعود دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، وجد رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو في خطابه وسياساته ما يشبه تحقيق الأحلام الصهيونية الكبرى، حيث أغدق ترامب على (إسرائيل) بوعود غير مسبوقة، بدءًا من الاعتراف بالقدس عاصمة لها، مرورًا بصفقة القرن، وانتهاءً بتشريع الاستيطان في الضفة الغربية وتقديم الدعم المطلق في المحافل الدولية.
لكن بعد مرور الوقت، يتعين على نتنياهو أن يسأل نفسه: هل كانت هذه الوعود التزامًا أمريكيًا لا رجعة فيه، أم أنها مجرد مناورة سياسية تخدم مصالح ترامب في لحظتها؟
الوعود الكبرى: دعم بلا قيود؟
لم يكن ترامب أول رئيس أمريكي يقدم دعماً استثنائياً (لإسرائيل)، لكنه كان الأكثر صراحة في ترجمته إلى أفعال. تضمنت وعوده:
1. نقل السفارة الأمريكية إلى القدس – وهو وعد تم تنفيذه بالفعل عام 2018.
2. الاعتراف بسيادة (إسرائيل) على الجولان – وهو قرار عزز موقف (إسرائيل) في مفاوضاتها الإقليمية.
3. صفقة القرن – وهي رؤية منحازة (لإسرائيل)، لكنها لم تُترجم إلى تغيير جغرافي جذري على الأرض.
4. توسيع الاستيطان وشرعنته دوليًا – وهو موقف دعمته إدارة ترامب، لكنه لم يتحول إلى سياسة أمريكية دائمة.
نتنياهو يشعر بالانتصار المطلق
مع كل هذه الهدايا السياسية، شعر نتنياهو أن العصر الذهبي للصهيونية قد تحقق، وأنه بات بإمكان (إسرائيل) فرض واقع جديد لا يمكن الرجوع عنه. لقد اعتبر أن هذه التحولات ليست مجرد قرارات إدارية عابرة، بل حقائق ثابتة تضمن (لإسرائيل) السيطرة المطلقة على الأرض الفلسطينية لعقود قادمة.
لكن السؤال الأهم: هل كان نتنياهو محقًا في شعوره بالانتصار المطلق؟
الواقع السياسي: الوهم أم الحقيقة؟
على الرغم من المكاسب التي حصلت عليها (إسرائيل) خلال حقبة ترامب، هناك معطيات تجعل “الانتصار المطلق” الذي يتحدث عنه نتنياهو محل شك:
1. تغيير الإدارات الأمريكية: وصول جو بايدن إلى السلطة كشف هشاشة بعض منجزات ترامب، حيث لم تكن جميع قراراته محصنة من التراجع. على سبيل المثال، رغم أن بايدن لم يلغي نقل السفارة إلى القدس، إلا أنه عاد للحديث عن حل الدولتين واستئناف الدعم للفلسطينيين.
2. المجتمع الدولي لم يعترف بقرارات ترامب: الاتحاد الأوروبي، روسيا، الصين ومعظم دول العالم لم تعترف بضم الجولان أو بشرعية الاستيطان، ما يعني أن هذه “الإنجازات” لم تصبح حقيقة قانونية دولية.
3. عدم قدرة (إسرائيل) على فرض مشروع الضم: رغم أن ترامب أعطى الضوء الأخضر لضم أجزاء من الضفة الغربية، إلا أن نتنياهو لم يتمكن من تنفيذه بسبب المخاوف من تداعياته الأمنية والسياسية.
هل ستنفذ وعود ترامب أم تبقى مجرد فقاعات؟
بعض قرارات ترامب نفذت بالفعل، لكن تأثيرها يظل مرهونًا بالمتغيرات السياسية القادمة. (إسرائيل) قد تستفيد مرحليًا من هذه الهدايا، لكنها لا تضمن استمرارها إلى الأبد. فالتاريخ أثبت أن القرارات الأمريكية ليست دائمة، وأن أي رئيس جديد يمكنه تعديل أو حتى إلغاء سياسات سلفه.
نتنياهو بين الشعور بالانتصار وصدمة الواقع
إذا كان نتنياهو يعتقد أن ما منحه ترامب هو نصر لا رجعة فيه، فقد يكون وقع في وهم سياسي. نعم، (إسرائيل) استفادت من حقبة ترامب، لكنها لم تحصل على ضمانة تاريخية لأطماعها. الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم ينتهِ، والمقاومة الفلسطينية لا تزال متجذرة، والمجتمع الدولي لم يغير موقفه من الاحتلال.
بالتالي، قد يكون شعور نتنياهو بالانتصار المطلق مجرد وهم سياسي تغذيه لحظات القوة، لكنه يفتقر إلى الضمانات طويلة الأمد. في النهاية، السياسة ليست مجرد وعود، بل معادلات متغيرة، والتاريخ لا يرحم من يظن أن انتصاره أبدي.