لماذا لا تزال تركيا بعيدة كل البعد عن أن تكون "إيران الجديدة"؟
ترجمة الهدهد
في الأشهر الأخيرة، وتحديداً منذ انتهاء المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، ترسخ في الأوساط السياسية الإسرائيلية ــ ولا سيما على لسان رئيس الوزراء" بنيامين نتنياهو" والسياسي "نفتالي بينيت" ــ ادعاء مفاده أن "تركيا هي إيران الجديدة".
ووفقاً لهذا الطرح، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى جاهداً لتدمير "إسرائيل"، مبرزاً بلاده كمحور سني إقليمي ينافس المحور الشيعي في فرض حصار ناري حولها. ويبدو هذا الاستنتاج رد فعل طبيعي لدولة تعيش حالة صدمة مستمرة منذ أحداث 7 أكتوبر، دون أن تخضع لتحقيق شامل، متقبلةً الحرب كواقع دائم يفرض عليها البحث المستمر عن الأعداء والاستعداد لمواجهتهم.
ومع ذلك، فإن الدرس الرئيسي المستفاد من أحداث 7 أكتوبر يفرض على الرأي العام تحدي الأحكام القاطعة وعدم قبولها كحقائق علمية مُسلم بها. وفي السياق التركي، يبرز تساؤل جوهري حول مدى واقعية وجود خطة تركية لتدمير "إسرائيل"، خاصة أن أنقرة لا تزال تحافظ على علاقاتها الدبلوماسية مع "تل أبيب" رغم الأزمة الحادة، وإذا كان هذا الاستنتاج دقيقاً، فكيف يتعين على إسرائيل التصرف عسكرياً؟ وهل تبادر بمواجهة "التهديدات الناشئة" كما صرح وزير الخارجية "إسرائيل كاتس" مؤخراً؟ وكيف يمكنها بناء قوتها في مواجهة حليف رئيسي لواشنطن يمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي "الناتو"؟
إذا اكتفينا بمراقبة الخطابات السياسية، فقد يبدو أن البلدين على شفا صدام مسلح. ففي الأسابيع الأخيرة، صعد أردوغان هجومه متهماً "إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ومعتبراً أن الكفاح التركي موجه ضد الصهيونية بأكملها باسم الأمة الإسلامية، ومحذراً من أن الهجمات الإسرائيلية في لبنان وسوريا مهددة للأمن القومي التركي.
وذهب وزير الداخلية التركي إلى حد التصريح برؤية القدس محررة لتكون تابعة لهم من جديد، معرباً عن أمله في تولي منصب محافظها يوماً ما. وفي المقابل، يرى "نتنياهو" ضرورة أخذ أي تهديد بزوال إسرائيل على محمل الجد، في حين يتنافس وزراء حكومته في مهاجمة أنقرة؛ حيث شبه "كاتس" أردوغان بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بينما اعتبر وزير الشتات "عميحاي شكلي" التهديد التركي أخطر من الإيراني، ولوّح وزير الرياضة "ميكي زوهار" بمصير لتركيا أسوأ من مصير النظام الإيراني إذا ما اختبرت "إسرائيل".
وقد أسهم قرار "الحكومة الإسرائيلية" بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في زيادة حدة هذا التوتر. ورغم توقع الإدانة التركية، واجهت "إسرائيل" صعوبة في التنبؤ بردود الفعل الإقليمية؛ إذ اعتبرت أذربيجان ــ الحليف الاستراتيجي لـ "إسرائيل" والقريب جغرافياً من إيران ــ القرار مقلقاً ويسيس التاريخ، داعيةً "تل أبيب" لإعادة النظر فيه. وحتى أرمينيا جاء رد فعلها هادئاً، حيث انتقد رئيس وزرائها "نيكول باشينيان" استخدام القضية كأداة سياسية، مما دفع الوزير "جدعون ساعر" لتوضيح أن الخطوة نابعة من دوافع أخلاقية وليست انتقاماً من أردوغان.
جهود توفير طائرات إف-35
بعيداً عن الخطابات الرنانة، تبرز ثلاثة تحديات رئيسية من الجانب التركي. التحدي الأول والأهم يكمن في ترسيخ تركيا لوجودها في سوريا، وهو المسار الذي تسارع فور تولي "أحمد الشرع" زمام الأمور في دمشق أواخر عام 2024. ويتجلى هذا النفوذ في مساعي إعادة ملايين اللاجئين السوريين من تركيا، والتعاون المشترك ضد القوى الكردية، وبناء مؤسسة عسكرية واضحة، فضلاً عن المحاولات التركية لمنع مسعى إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لدفع "الشرع" نحو مواجهة مع حزب الله في لبنان، خشية تقويض استقرار النظام الحليف في دمشق.
وقد أعرب "إسرائيل كاتس" عن قلقه من هذا الوجود مؤكداً أن "الجيش الإسرائيلي" لن ينسحب من المنطقة الأمنية في سوريا، مشيراً إلى أن تل أبيب تراقب بحذر أي محاولة تركية للحد من حرية حركتها العسكرية هناك. وتُقدم الدكتورة "غاليا ليندنشتراوس"، المتخصصة في السياسة الخارجية التركية المعاصرة، قراءة متوازنة تشير فيها إلى أن أنقرة، رغم نفوذها العميق في سوريا، تبدي حذراً شديداً لتجنب الاحتكاك العسكري المباشر مع "إسرائيل"، وتحرص على إبقاء خط أمني ساخن لمنع أي تصعيد غير محسوب.
أما التحدي الثاني فيتمثل في السعي التركي لإبرام صفقة شراء طائرات "إف-35" من الولايات المتحدة، وهو ما قد يهدد التفوق "الجوي الإسرائيلي". وفي هذا الصدد، أشار نائب الرئيس الأمريكي "جيه. دي. فانس" إلى أن الإدارة تدرس تجاوز قرار عام 2019 الذي استبعد تركيا من المشروع بعد شرائها منظومة "إس-400" الروسية. بالتوازي مع ذلك، تسعى أنقرة لإتمام صفقة بقيمة 700 مليون دولار لشراء محركات أمريكية لطائرتها المحلية المتطورة "كان". وتوضح الباحثة "غونول تول" أن هذا المشروع يحظى بأهمية بالغة لدى أردوغان لترسيخ مكانة تركيا كأصل استراتيجي لـ"الناتو"، نظراً لبطء الإنتاج المحلي للمحركات.
ويأتي الدعم التركي المستمر لمقر حركة حماس المسؤول عن الضفة الغربية كتحدٍ ثالث، حيث تدير الحركة بنى تحتية مسلحة من إسطنبول بتسهيلات لوجستية ومالية تُنسب لأجهزة الأمن التركية، مدفوعة برابط أيديولوجي عميق بين أردوغان والحركة. وكان "الجيش الإسرائيلي" وجهاز الأمن العام "الشاباك" قد أعلنا عن إحباط عشرات الهجمات التي أدارها "مقر الضفة" بقيادة "زاهر جبارين"، الذي خلف "صالح العاروري" بعد اغتياله في يناير 2024.
ثمة تحدٍ جديد يلوح في الأفق
علاوة على التحديات السابقة، يبرز تحدٍ رابع يرتبط بالبنية التحتية المدنية ذات الأبعاد الاستراتيجية. تنظر أنقرة بقلق إلى مشروع "الربط البحري العظيم" الذي تقوده إسرائيل بالتعاون مع اليونان وقبرص لربط شبكات الكهرباء بكابل بحري يمتد لـ 1200 كيلومتر، مما يوفر احتياطياً طاقوياً لـ "تل أبيب". وفي المقابل، تفعّل تركيا عقيدة "الوطن الأزرق" لتوسيع سيطرتها البحرية، وهي خطوة تحمل رسائل تهديد لليونان التي سيمر الكابل في مياهها.
وفي هذا السياق، يشير الدكتور "هاي إيتان كوهين يانروجيك"، الباحث في مركز "دايان"، إلى ضرورة أخذ تحذيرات أردوغان لليونان وقبرص على محمل الجد بشأن تقويض الحقوق البحرية التركية. كما يبرز تحدٍ آخر في محور النقل والتجارة الممتد من السعودية إلى تركيا عبر سوريا، والذي تسارع بسبب أزمة مضيق هرمز، بهدف منافسة المحور التجاري الإسرائيلي المخطط له نحو الخليج والهند.
وتظهر تركيا كإحدى الجهات المستفيدة من الحروب الجارية في المنطقة منذ 7 أكتوبر؛ إذ تسعى لتوسيع نفوذها في ليبيا والصومال ــ حيث تمتلك أكبر قاعدة عسكرية خارجية لها ــ والعراق، بالإضافة إلى تعزيز حضورها المدني قطاع غزة.
كما تنخرط أنقرة في بناء تحالف رباعي إسلامي يضم باكستان والسعودية ومصر؛ حيث شهدت العلاقات التركية المصرية تحسناً ملحوظاً تجسد في زيارة رئيس الأركان التركي للقاهرة وإجراء مناورات جوية مشتركة، فضلاً عن التنسيق في جهود الوساطة المتعلقة بغزة. وبات الخوف من التداعيات الإقليمية لـ "التحركات الإسرائيلية" محوراً أساسياً للتعاون المصري التركي، مما يؤسس لبنية إقليمية مغايرة للتطلعات الإسرائيلية.
وحول مدى استعداد أردوغان للتصعيد، يرى "كوهين يانروجيك" أن الحملة التركية تتركز على نزع الشرعية القانونية والدبلوماسية عن إسرائيل عبر دعم دعوى جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية وفرض العقوبات الاقتصادية، لكن دون الرغبة في قطع العلاقات بالكامل خشية فقدان التأثير في الساحة الفلسطينية والمسجد الأقصى. ويؤيد هذا الطرح الدكتور "ليندنشتراوس" موضحاً أن أردوغان يتبنى نهجاً مزدوجاً يجمع بين الخطاب الحاد والتمسك بالحلول السياسية كحل الدولتين. ويضيف الباحث "إلكيم بوكا-أوكيار" أن السلوك التركي محكوم دائماً بوعي أنقرة بطبيعة علاقاتها مع واشنطن.
من جانبه، يبدو الرئيس الأمريكي "ترامب" محرجاً من التوتر بين حليفيه؛ فرغم إشاراته السابقة إلى منع أردوغان من الانضمام لحملة "زئير هاري" بسبب موقفه من إيران، فإنه يصف الرئيس التركي بالقائد العظيم، مؤكداً أن وجوده في البيت الأبيض يضمن عدم الصدام بين "تل أبيب" وأنقرة. ويوضح البروفيسور "عودي سومر" أن التقارب الحالي بين واشنطن وأنقرة يمثل تحدياً كبيراً لإسرائيل، حيث أسهم في إحباط تحركات إسرائيلية كانت تهدف لتشجيع الميليشيات الكردية على العمل ضد النظام الإيراني، وهو ما عارضه أردوغان بشدة.
وتتجه الأنظار حالياً إلى قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" الـ 37 المقرر عقدها في أنقرة بمشاركة "ترامب"، حيث تأمل تركيا في إحراز تقدم ملموس في صفقة طائرات "إف-35"، وسط مؤشرات على مساعٍ أمريكية لتهدئة التوترات الإقليمية بين حلفائها.
خلاصة القول، تمثل تركيا بقيادة أردوغان تحدياً استراتيجياً معقداً لـ "إسرائيل"، وتظهر عداءً سياسياً واضحاً تجاهها، لكنها لا تصنف كعدو يتبنى خططاً تدميرية وجودية كما هو الحال مع إيران أو حزب الله.
وفي ظل الجبهات المتعددة التي تواجهها إسرائيل في غزة ولبنان وإيران، والأزمة الدبلوماسية مع واشنطن وتراجع مكانتها الدولية، فإن المصلحة الاستراتيجية تقتضي تجنب فتح جبهات احتكاك جديدة مع قوة إقليمية بحجم تركيا، وتأجيل التعامل مع هذا الملف إلى حين استقرار الجبهات الأكثر خطورة. وكما فرضت الظروف الدبلوماسية في أزمات سابقة اللجوء للحلول السياسية، فإن الحكمة تقتضي تبني خيارات دبلوماسية استباقية مع أنقرة لمنع الصراع العسكري قبل وقوعه.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرونوت"/ د. "ميخائيل ميلشتاين" (باحث أول في مركز "دايان" بجامعة تل أبيب، ومؤلف كتاب "جيل الطوفان")