ترجمة الهدهد

أظهرت المواقف الأخيرة لـ "يائير غولان"، زعيم الحزب اليهودي الأكثر ميلاً للسلام، تحولاً جذرياً في خطابه السياسي عقب الحادثة الدامية التي تسبب بها بلطجية المستوطنات في قرية تل؛ حيث انضم إلى جوقة القوميين اليائسين متخلياً عن شعار الأمل الذي تبناه لعشر سنوات، ليؤكد بتصريحاته أنه لا فرق جوهرياً بينه وبين اليمين، وأن التصويت لحزب "الديمقراطيين" ما هو إلا تصويت لحزب آخر يدعم الاحتلال والفصل العنصري.

وجاء هذا التحول محبطاً ومطابقاً للنمط السائد في الخريطة السياسية داخل كيان العدو؛ ففي الوقت الذي أطلق فيه رئيس حكومة العدو "بنيامين نتنياهو" تصريحه التقليدي: "سنتحرك بقوة ضد الإرهابيين ومن يرسلونهم"، سارع "غولان" لإصدار موقف مشابه تماماً يطالب فيه بـ "دحر الإرهاب بقوة عسكرية رادعة، وعزيمة لا هوادة فيها". وقد وجه تعازيه حصراً لأسر القتلى والجرحى اليهود، متجاهلاً الضحايا الفلسطينيين الأربعة الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم، مما يثبت أن القوة الرادعة التي يقترحها موجهة فقط ضد الفلسطينيين.

ولم تقتصر هذه الرؤية العنصرية على "غولان" وحده، بل امتدت لتشمل أعضاء قائمته الذين تماهوا مع خطابه بشكل مروع؛ إذ قدمت "نعمة لازيمي" تعازيها لعائلة المستوطن المعتدي دون ذكر الضحايا الحقيقيين، في حين استخدم "جلعاد كاريف" مصطلحات عنصرية زائفة ليعبر عن تعاطفه مع "عائلة الإسرائيلي الذي قُتل"، مصوراً اليهودي دائماً في دور الضحية والفلسطيني في دور المعتدي، بينما أظهرت "غابي لاسكي" و"موشيه ريدمان" مواقف كشفت عن الأنماط ذاتها.

وتكشف هذه الردود المتطابقة أن اليمين واليسار في كيان العدو وجهان لعملة واحدة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الجوهرية والمذابح؛ إذ يتحدث "يائير لابيد" بحنجرة "نفتالي بينيت" الذي يتلو بدوره من حنجرة "غادي آيزنكوت"، ليتحدث الجميع في النهاية بصوت اليمين.

وتشكل هذه المنظومة جوقة متناغمة تنكر واقع العدو وتلغي أي وجود لمعارضة حقيقية أو استقطاب فعلي، راسمين خطاً مستقيماً يرفض منح الفلسطينيين حتى حق الدفاع عن النفس عندما تُحرق منازلهم وحقولهم.

وفي انعكاس صارخ لازدواجية العدالة لدى الكيان، يطبق "القانون الإسرائيلي" الذي يتبناه حزب "الديمقراطيين" حماية كاملة للمزارعين اليهود الذين يطلقون النار على العرب، بينما يُجبر المزارعون الفلسطينيون في الضفة الغربية منذ ثلاث سنوات على الخضوع التام. وتجلى هذا الواقع عقب أحداث قرية تل، حيث داهمت قوات جيش العدو القرية واعتقلت العشرات من الفلسطينيين وفرضت الحصار على نابلس، بدلاً من مداهمة بؤر المستوطنين مثل "حفات جلعاد" وفرض حظر التجول فيها.

وتتطابق هذه الممارسات مع ما وثقته شهادات من الداخل؛ حيث نقلت "سيفان تامير مسغاف" عن ابنها "غوني" الذي كان متواجداً في تلال الخليل الجنوبية قوله: "في اللحظة التي يرفعون فيها الفلسطينيون إصبعاً واحداً ضد مستوطن واحد، ستحترق قريتهم بأكملها".

وفي المحصلة، يمثل صمت "غولان" وحزب "الديمقراطيين" وفشلهم في الوقوف إلى جانب الضحايا الفلسطينيين ومهاجمة المتطرفين ومثيري الشغب من اليهود سقوطاً مدوياً في أول اختبار حقيقي، ليثبت الواقع السياسي في "تل أبيب" أنه لم يعد هناك أي بديل أو مقاومة داخل المعسكر الصهيوني، ولم يتبقَ سوى الأحزاب غير الصهيونية خارج هذه الجوقة.

المصدر: "هآرتس"/ "جدعون ليفي"