تحليل.. قرارات مصيرية تترقب "نتنياهو" و"آيزنكوت" وسط تحذيرات من انهيار مكانة "إسرائيل" في أمريكا
ترجمة الهدهد
يستعد كلٌّ من رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" ورئيس أركان جيش العدو السابق "غادي آيزنكوت" خلال الأيام القليلة المقبلة لاتخاذ قرارات حاسمة وربما مصيرية، من شأنها أن ترسم ليس فقط مسار الحملة الانتخابية المرتقبة، بل ومستقبل المشهد السياسي في "إسرائيل" للسنوات القادمة، وذلك في وقتٍ تعاني فيه البلاد من انقسام داخلي وتدهور غير مسبوق في مكانتها الدولية وأكبر أصولها الاستراتيجية لدى الحليف الأمريكي.
وتعكس تحركات "نتنياهو" إدراكه العميق لخطورة موقفه الحالي؛ فرغم التحسن النسبي الذي أظهرته استطلاعات الرأي الأخيرة، إلا أنه ما يزال يواجه خطر الخسارة الفعلية في الانتخابات.
ويدرك "نتنياهو" ويقين قيادات حزب "الليكود" أن تشكيل أي أغلبية ضد حزبه داخل "الكنيست" - سواء ضمت أحزاباً يهودية أو عربية أو شركسية - سيعني إزاحته حتماً عن السلطة واستبداله بحكومة تصريف أعمال تمهيداً لجولات انتخابية جديدة، وهو سيناريو يُشكل واحدة من أعقد المشاكل التي تُلاحقه.
صعود "بن غفير" وتخبط استراتيجية "الليكود"
وتكشف استطلاعات الرأي المعمقة داخل حزب "الليكود" عن مخاوف متزايدة من القفزة الانتخابية المتوقعة للوزير المتطرف "إيتامار بن غفير"، والذي يُرجح أن يتجاوز نسبة 10% من الأصوات ليُصبح المفاجأة الأكبر في الانتخابات، وذلك على حساب مقاعد "الليكود" وحزب "شاس" بشكل رئيسي.
ورغم أن مطالبات "بن غفير" بالحصول على حقيبة "وزارة الجيش" تبدو غير منطقية للمطلعين - بالنظر إلى أدائه الإداري الفاشل في "وزارة الشرطة" وتفشي الجريمة وحالات القتل واستغلال المؤسسة الأمنية سياسياً - إلا أنه يواصل النجاح كـ "وزير تيك توك" في ساحة سياسية أصبحت فيها الحقائق ثانوية أمام الخطاب الجماهيري.
وأمام هذا التهديد، يجد "نتنياهو" نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما التوجه أكثر نحو اليمين المتطرف لاستعادة الأصوات التي سلبها "بن غفير"، وهو ما يُهدد بتنفير القاعدة الوسطية لحزب "الليكود" المقربة من طروحات "آيزنكوت"، أو إطلاق استراتيجية "الحزب الأكبر" لامتصاص المقاعد من أحزاب اليمين المتطرف الأخرى، غير أن الخيار الأخير يحمل مجازفة تاريخية قد تؤدي لعدم تجاوز بعض تلك الأحزاب لنسبة الحسم، مما يمنح "آيزنكوت" فرصة ذهبية لتشكيل الحكومة، أو يُضعف حزب "الليكود" ويقوض زعامة "نتنياهو" بشكل دائم.
معضلة "آيزنكوت" ورهانات أحداث 7 أكتوبر
في المقابل، تخوض "كتلة التغيير" بزعامة "غادي آيزنكوت" معركة انتخابية متعثرة؛ حيث تُشير أرقام الاستطلاعات إلى تآكل مستمر في الكتلة يجعل الرهان على الفوز بفارق ضئيل أشبه بـ "الفوز بنتيجة 1-0" خياراً غير واقعي.
ويقف "آيزنكوت" أمام اختبار دهاء حقيقي يتطلب منه اتخاذ "تحرك سياسي حاسم" ومحفوف بالخاطر والفرص، بعيداً عن مجرد الإعلانات والمقابلات التلفزيونية والبيانات الصحفية، بأسلوب يشبه الخطوة التاريخية التي اتخذها "نفتالي بينيت" سابقاً بالتحالف مع "يائير لابيد".
من جهة أخرى، يرى كثيرون في المعارضة أن الفشل الذريع في أحداث 7 أكتوبر يُشكل ورقة سياسية وتاريخية رابحة لإسقاط "نتنياهو" مع اقتراب الذكرى، غير أن هذا التقدير ينطوي على قدر كبير من "التمني غير الواقعي"؛ إذ كرس "نتنياهو" معظم وقته طوال ثلاث سنوات لتفتيت الإجماع الشعبي الداعي لمقاضاته، واستبداله باستقطاب قبلي وسياسي يُخون كل من يطالبه بالمسؤولية، ويصمه بـ "اليساري" أو "المساوم مع حماس والصديق للعرب"، وهو ما جعل آراء الناخبين تتصلب وتمنع أي تحول تلقائي لصالح "كتلة التغيير".
انهيار المكانة الاستراتيجية لـ "إسرائيل" في الولايات المتحدة
وتتقاطع هذه المعارك الانتخابية الداخلية مع تدهور خطير في أهم أصول "إسرائيل" الاستراتيجية المتمثل في التحالف مع الولايات المتحدة؛ فمع تراجع حدة التغطية الإعلامية للدمار في قطاع غزة، أدت الحرب والتردد الشديد في التعاطي مع الملف الإيراني إلى إلحاق ضرر بالغ بالرأي العام الأمريكي.
وأظهرت أحدث الاستطلاعات الصادرة عن مركز "بيو للأبحاث" تراجعاً كبيراً في شعبية "إسرائيل" تجاوزت نسبته 10% منذ الربيع، وهبوطاً إضافياً بنسبة 23% خلال الأشهر الأخيرة، حيث بات 55% من الأمريكيين يطالبون بوقف أو تقليص المساعدات العسكرية المقدمة لكيان العدو، وانخفضت الفجوة بين تأييد "إسرائيل" والفلسطينيين إلى 5% فقط لصالح الفلسطينيين مقارنة بـ 36% لصالح "إسرائيل" في السبعينيات.
وفي هذا الصدد، حذر "مارك دوبويتز"، الرئيس التنفيذي لـ "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية" (FDD) والمحسوب على المواقف المتشددة، من أن استمرار الائتلاف الحكومي الحالي في سلوكيات التطرف والازدراء السياسي سيجعل من المستحيل حماية "إسرائيل" دولياً، لافتاً إلى أن أدوات حرب العقوبات الاقتصادية الأمريكية الموجهة ضد إيران قد تُستخدم قريباً ضد "إسرائيل" نفسها إذا لم يصاغ موقع ىخر من قيادة كيان العدو.
المسؤولية بين الماضي والحاضر: درس عام 1976
ولفهم الفارق الشاسع في الإدارة والمسؤولية السياسية، يُقارن التحليل بين سلوك "القيادة الإسرائيلية" الحالية والأزمة التي وقعت عشية عيد "يوم الغفران" عام 1976، عندما اقتحم مئات الطلاب الفلسطينيين القسم اليهودي من الحرم الإبراهيمي في الخليل ومزقوا لفائف التوراة رداً على استفزازات مستوطني "كريات أربع" والحاخام "ليفينجر" وتدنيس المصاحف.
ففي ذلك الوقت، أدار رئيس وزراء العدو "إسحاق رابين" ووزير جيشه "شيمون بيريز" الأزمة بأعلى درجات الانضباط المهني والحذر من تبعات استخدام القوة؛ إذ أُرسلت سرية مظليين للسيطرة على الأحداث باستخدام العصي والسلاسل دون إطلاق الرصاص الحي لتفادي صدور عناوين عالمية تُسيء لـ "إسرائيل" أو إشعال حرب دينية.
وكان القلق من تشويه صورة الدولة أو إلحاق الضرر بالرأي العام العالمي حاضراً في كل تفاصيل اجتماعات الحكومة المقيدة إعلامياً، وهو ما حافظ حينها على نسب تأييد أمريكي لـ "إسرائيل" تجاوزت 74% وفق استطلاعات مؤسسة "هاريس".
غياب الحذر والاندفاع نحو العزلة
يخلص التحليل إلى أن "إسرائيل" في عام 2026، ورغم قوتها العسكرية، باتت تدار بأسلوب عشوائي وعنيف افتقد لأدنى درجات الحكمة والمسؤولية الاستراتيجية، عبر تسليم مقاليد السلطة لرموز متطرفة مثل "بتسلئيل سموتريتش" و"إيتامار بن غفير".
وأصبح الوزراء يتعاملون مع الدعم الأمريكي كأمر مفروغ منه مع إبداء ازدراء غير مسبوق للرأي العام العالمي، ما يضع البلاد أمام مخاطر عزلة استراتيجية وضرر اقتصادي وسياسي بالغ، بينما تواصل الطبقة السياسية العزف والمنافسة الانتخابية تماماً كما فعل عازفو الكمان على متن سفينة "تايتانيك" لحظة اصطدامها بالجبل الجليدي.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "نداف إيال"