ترجمة الهدهد

أحدثت حالة السيالة والتدافع السياسي والعسكري التي شهدها الشرق الأوسط منذ أحداث 7 أكتوبر تحولات عميقة انعكست في كثير من الأحيان لصالح "إسرائيل"، غير أن الأسابيع الأخيرة أظهرت جلياً حجم التحديات الاستراتيجية المركبة الناجمة عن هذه الهزات الإقليمية.

ويقف في صدارة هذه التحديات تمكُّن الحوثيين من فرض سيطرتهم الميدانية على المناطق المحاذية لمضيق باب المندب عقب هزيمة القوات التابعة للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية؛ وهو تطور محلي تتجاوز تداعياته الجغرافيا اليمنية لترمي بثقلها على الساحتين الإقليمية والدولية، مما دفع الباحث السعودي "يوسف الديني" للتساءول عن كيفية نجاح مجموعة محلية نشأت في جبال صعدة في تهديد الملاحة الدولية والمدن الحيوية بالمنطقة بقوة عسكرية متقدمة.

وفي الأوقات الاعتيادية، ربما لم تكن هذه التطورات الميدانية لتثير قدراً كبيراً من الاهتمام، غير أنها تُشكل في السياق الراهن زلزالاً استراتيجياً حقيقياً؛ إذ تُلقي أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن المواجهة الأمريكية الإيرانية وتطلعات طهران لتعطيل صادرات النفط عبر مضيق هرمز بظلالها على المشهد.

وتبرز المخاوف من قيام إيران وحلفائها، وفي مقدمتهم الحوثيون، بتكرار نموذج تعطيل الملاحة وسلاسل إمداد النفط في مسار البحر الأحمر، مما يُهدد بشكل مباشر خطوط الإنتاج والتصدير لدول المنطقة ويربك أسواق الطاقة العالمية.

مخاوف استراتيجية في الرياض وإحباط من الخيارات العسكرية

وتظهر هذه المخاوف بأشد درجاتها لدى المملكة العربية السعودية، التي ترى في التحركات الحوثية الأخيرة تهديداً استراتيجياً مُباشراً لشركاتها الاقتصادية ومواردها الأساسية، وتستحضر الرياض في هذا السياق التجربة العسكرية الصعبة التي خاضتها في اليمن بين عامي 2015 و2022؛ ورغم الضربات القاسية التي وجهها التحالف العربي آنذاك، إلا أنها لم تنجح في إنهاء التهديد الحوثي، الذي سرعان ما استعاد قدراته وكثف هجماته المباشرة ضد دول الخليج، وهو ذات الدرس الذي استوعبته الولايات المتحدة و"إسرائيل" لاحقاً بشأن صعوبة القضاء الكامل على هذا المحور.

وقد أدى استئناف السعودية لهجماتها في اليمن خلال يوليو الماضي عقب وقف إطلاق النار الذي صمد منذ 2022 - في محاولة لإحباط التموضع الإيراني - إلى ردود فعل حوثية عنيفة شملت استهداف منشآت شركة "أرامكو" قرب البحر الأحمر وفرض حظر على إبحار السفن السعودية عبر "باب المندب".

وأجبر هذا الوضع الرياض على تحويل جانب رئيسي من صادراتها النفطية عبر قناة السويس، وسط ضغوط متزايدة بعد هجمات شنتها طائرات مسيرة حوثية طالت لأول مرة الرياض، إلى جانب هجمات سابقة لفصائل عراقية استهدفت أنابيب نقل النفط الممتدة من الخليج العربي.

وفي ظل خيبة الأمل السعودية من عدم جدوى الاتفاقيات الأمنية الأخيرة مع باكستان وتركيا أو الشراكة مع إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، صرح الباحث السعودي الدكتور "أحمد الشهري" بمرارة، مشيراً إلى أن الحوثيين، وبعد رفعهم شعارات الولاء لفلسطين والمسجد الأقصى وعداء أمريكا و"إسرائيل"، أثبتوا أن هدفهم الرئيسي والفعلي هو استهداف السعودية التي قدمت مساعدات ضخمة لليمن، مفضلين منع السفن السعودية من المرور مع السماح بحركة مرور أخرى.

حذر إيراني-حوثي وحسابات "ترامب" المعقدة

من جانبهم، يتصرف الحوثيون بحذر ودراسة تكتيكية؛ إذ يوضح الدكتور "إنبال نسيم لوباطون" من "مركز ديان بجامعة تل أبيب" أن الجماعة تُدير التصعيد مع الرياض بحسابات دقيقة تهدف لرفع الحصار الجوي والبحري المرفوع عليهم تحت شعار "حصار تحت الحصار"، مع الحرص على الموازنة بين استقلالية القرار الداخلي والتنسيق الوثيق مع طهران ضمن ما يُسمى "وحدة الساحات".

وتستفيد إيران بدورها من هذه الأزمة دون تورط مباشر، حيث تُوجه رسائل لدول الخليج للضغط على "ترامب" لتخفيف التصعيد معها لتهدئة المنطقة، مُلمحة إلى أن أي استهداف لنفطها سيمتد أثره إلى مصالح الجميع.

وفي هذا المشهد المربك، يقف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" كعامل حاسم؛ ورغم تقارير تحدثت عن تدخله الوشيك بضغط من ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" لشن حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين، إلا أنه تراجع في اللحظة الأخيرة مفضلاً تجنب الانخراط في معركة معقدة، لا سيما مع انشغاله بانتخابات منتصف المدة، وتصاعد أزمة أوكرانيا، وارتفاع أسعار النفط العالمية.

وتوضح الدكتورة "شيرا إيفرون"، الباحثة السابقة في "معهد راند"، أن "ترامب" يواجه معضلة إنهاء الحرب دون أن يبدو بمظهر المستسلم أمام حلفائه، مما يجعله يميل حالياً للرهان على التفاهمات والحوار المباشر مع الحوثيين لتفادي استهداف المصالح الأمريكية بدلاً من شن حرب مفتوحة.

موقف "إسرائيل" وتهاوي خيالات "الشرق الأوسط الجديد"

وبالرغم من أن "إسرائيل" ليست طرفاً مباشراً في هذه الموازنة، إلا أنها تجد نفسها معنية تماماً بالتطورات؛ وخوفاً من اتساع نفوذ "الحوثيين" وتمكين إيران، أوردت تقارير عن تقديم "تل أبيب" مساعدات استخبارية خلف الكواليس للسعودية.

غير أن هذا التعاون يعيد التذكير بضرورة كبح "الرهانات الإسرائيلية" المفرطة؛ فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم وجود "عدو مشترك" يتمثل في إيران وتوفر قنوات تعاون غير معلنة مع بعض الدول العربية مثل الأردن والإمارات، إلا أن رؤية بناء "ائتلاف إقليمي علني" أو القفز على ثوابت "القضية الفلسطينية" لم تتحقق.

وتخلص الأزمة الحالية في البحر الأحمر إلى أن الفرص الاستراتيجية لبناء تحالفات جديدة تتطلب تغيراً جوهرياً في "السلوك السياسي الإسرائيلي"، وهو ما تبدو الحكومة الحالية غير قادرة على تسويقه.

كما تُلقي هذه التطورات بظلال قاتمة على "رؤية نتنياهو لشرق أوسط جديد" التي جرى الترويج لها عقب الحرب على إيران -عملية زئير الأسد-، مُثبتةً أن خصوم "إسرائيل" التقليديين لن يختفوا بسهولة، وأن الاستغراق في الخيالات الوردية يستدعي العودة إلى قراءة واقعية متجردة للتحولات الإقليمية المعقدة.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "د. ميخائيل ملشتاين" ،باحث أول في "مركز ديان بجامعة تل أبيب"