ترجمة: الهدهد

 هارتس - عاموس هارئيل

 

صباح أمس، كانت "إسرائيل" على بُعد خطوة واحدة من أحد أسوأ الهجمات "الإرهابية" في تاريخها. لولا الحظ الكبير، ولا سيما "براعة وشجاعة" قائد الطائرة الهندي، وأحد أفراد الطاقم، وعدد من الركاب الإسرائيليين، لكان مصير الركاب وأفراد الطاقم البالغ عددهم 174 شخصًا قد حُسم في اللحظة الأخيرة، بعد أن حاول مساعد الطيار إسقاط الطائرة.

كشفت الحادثة الجوية، التي كادت أن تنتهي بكارثة هائلة، عن ثغرات في إجراءات التحقق من خلفيات أطقم الطائرات وتفتيش الأمتعة التي يحملونها على متن الطائرة في مطار دبي. وسيستلزم ذلك الآن عملية تفتيش دقيقة وشاملة لجميع الرحلات الجوية من وإلى "إسرائيل"، وكذلك إلى وجهات أخرى حول العالم.

ومن منظور استراتيجي، كان من الممكن أن يمنع هذا الإجراء تصعيدًا أمنيًا إضافيًا في المنطقة. إلا أن هذه الحادثة تُستخدم بالفعل كأداة في الصراع السياسي الداخلي في "إسرائيل"، على خلفية تحذير رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء بشأن معلومات استخباراتية يُزعم أنها تشير إلى نوايا معادية لعرقلة الانتخابات الإسرائيلية في نهاية الشهر.

بعد ساعات قليلة من هبوط الطائرة اضطرارياً في السعودية، بدأت تتكشف تفاصيل الحادث. اتضح أن التقرير الذي زعم وقوع شجار عنيف بين طيار أوكراني وآخر روسي كان محض افتراء. في الواقع، كان مساعد الطيار العماني هو من طعن كبير الطيارين الهندي بسكين وحاول إسقاط الطائرة على الأراضي الأردنية. هوت الطائرة 18 ألف قدم في أقل من دقيقتين، وشاهد الركاب المذعورون بقية الطاقم وعددًا من الركاب الشجعان وهم يسيطرون على مساعد الطيار وأجهزة التحكم. وجود طيارين آخرين على متن الطائرة، كان من المفترض أن يقوداها عائدة إلى الإمارات، سهّل هبوطها بسلام.

 

أُخذ الطيار "الإرهابي" للاستجواب من قبل السلطات السعودية. وفي "إسرائيل"، سارع وزير "الجيش الإسرائيلي" يسرائيل كاتس إلى التصريح بأنه تصرف بدافع جهادي. ويبدو هذا افتراضًا منطقيًا في ضوء جنسيته وظروف الحرب الإقليمية الدائرة. وقد دأبت المؤسسة الأمنية على الاستعداد لسيناريو اختطاف الطائرات على مدى 25 عامًا، والذي تم تحديث شكله بعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة: محاولة من قبل "إرهابيين" أو طيارين للسيطرة على طائرة مدنية وإسقاطها فوق مركز سكاني في قلب البلاد. ويتمثل الملامح البارزة في هذا السيناريو في كونه إرهابيًا جهاديًا، وليس بالضرورة إرهابيًا تابعًا لدولة معادية، مثل إيران.

بحسب تقارير إعلامية عربية، عمل الطيار العماني لدى شركة فلاي دبي، ومقرها الإمارات، لمدة ستة أشهر أو أكثر بقليل. وتقع مسؤولية الفحص الأمني للطيارين، بالإضافة إلى إجراءات التفتيش والأمن حول الطائرة، على عاتق المطار. ومع ذلك، في كلتا الحالتين، تملك "السلطات الإسرائيلية" صلاحية الموافقة على الرحلة أو رفضها، نظراً للمخاطر المرتبطة بالرحلات الجوية إلى "إسرائيل".

هنا، سيتعين عليهم التحقق مما إذا كان هناك أي شيء في خلفية "الإرهابي" كان ينبغي أن يثير الشكوك مسبقًا. من جهة أخرى، بات من الواضح تمامًا وجود إهمال، سواء في التعليمات أو في طريقة تنفيذها، فيما يتعلق بتفتيش أمتعة الطاقم، لا سيما مع تهريب السكين إلى الطائرة نفسها.

ستسعى المؤسسة الأمنية أيضًا إلى معرفة ما إذا كان "الإرهابي" مرتبطًا بأي منظمة. هذا الأمر بالغ الأهمية فيما يتعلق بتحديد وجهة الرد - تقديم الجناة إلى العدالة، إن وُجدوا، واتخاذ قرار سياسي بشأن ما إذا كان سيتم التحرك تحديدًا ضد دولة أو منظمة معينة. في هذه الأثناء، تستمر الحرب الإقليمية مشتعلة بنيران خافتة نسبيًا، من الخليج العربي إلى لبنان وغزة.

سيؤثر الحادث أيضاً على حركة النقل الجوي من وإلى "إسرائيل". من المرجح أن يفضل المزيد من المسافرين الإسرائيليين السفر على متن شركات الطيران المحلية، بافتراض أن سياسات الأمن والتفتيش في "إسرائيل" أكثر صرامة.

من جهة أخرى، قد ترى شركات الطيران الدولية في محاولة الهجوم ذريعةً أخرى لتقليص رحلاتها إلى "إسرائيل"، والتي خُفِّضت بالفعل منذ حرب لبنان عام 2024 والحملة الأولى في إيران عام 2025. إن تورط الطيارين في حوادث تحطم طائرات متعمدة، أو محاولات إسقاطها، ليس بالأمر الجديد. فالدافع ليس دائماً "الإرهاب". نتذكر الطيار المصري الذي أسقط طائرة قادمة من الولايات المتحدة عام 1999، وطيار الطائرة الألمانية الذي أسقطها فوق جبال الألب الفرنسية عام 2015. في هاتين الحالتين، لم ينجُ أي من الركاب أو أفراد الطاقم.

وفقًا للخطة الموضوعة في حال وقوع عملية اختطاف، أطلق سلاح الجو الإسرائيلي أمس طائرتين مقاتلتين على الفور باتجاه الطائرة الإماراتية في سماء الأردن. إلا أن تنفيذ الأمر لا يؤثر على ما يجري داخل الطائرة نفسها؛ فهو مخصص لحالات يحاول فيها الخاطفون أو الطيارون إسقاط الطائرة فوق منطقة حضرية مكتظة بالسكان، وعندها يتعين على القيادة الإسرائيلية (رئيس الوزراء إن كان متاحًا) اتخاذ قرار بشأن إسقاط الطائرة في منطقة مفتوحة لتجنب وقوع مئات الضحايا. لكن الأمور لم تجرِ على هذا النحو هذه المرة.

تصريحات متداولة

أثار توقيت الهجوم، الذي وقع في اليوم التالي لتحذير نتنياهو ، جدلاً سياسياً حاداً في "إسرائيل"، مع اقتراب الانتخابات.

وبمجرد الكشف عن هوية مساعد الطيار "الإرهابي"، شنّت جماعة أبواق نتنياهو الاعلامية هجوماً منسقاً. وسارعوا إلى تقديم الهجوم، الذي أُحبط في اللحظة الأخيرة، كدليل على أمرين: صحة تحذيراته التي أطلقها في اليوم السابق (والتي قوبلت بتشكيك من المعارضة ووسائل الإعلام، بما في ذلك صحيفة هآرتس)، وحساسيته الأمنية العالية، التي يُزعم أنها ساهمت، بطريقة غير مفهومة، في إحباط الهجوم.

يستخدم رئيس الوزراء هذه الادعاءات في معركته لكسب تأييد الرأي العام، لكنها في الواقع تبدو غير مقنعة. ففي مقطع فيديو صوره في قاعدة تل نوف الجوية يوم الثلاثاء، زعم نتنياهو أنه علم أن "أعداءنا" يخططون لشن هجمات عشية الانتخابات، في محاولة لعرقلتها، وحذر قائلاً: "سيطالكم ردنا". أثارت تصريحاته انتقادات من المعارضة، بعد أن صرحت مصادر أمنية للصحفيين بأنه لم يكن على علم بأي معلومات استخباراتية غير عادية وردت إليه.

أصدر زعيم المعارضة يائير لابيد ، الذي انتقد محاوره بعد اجتماعه مع نتنياهو في وقت متأخر من ليلة الثلاثاء، قائلاً: "لا داعي لإثارة الذعر بين الناس"، بياناً أمس جاء فيه: "لم يرد في التقرير الأمني المقدم لرئيس الوزراء أي شيء يُشبه حادثة الطائرة. لا تشابه، ولا تذكير، ولا حتى تلميح". في المقابل، زعم "مصدر سياسي" (أي مكتب نتنياهو) أن لابيد أُبلغ خلال الاجتماع بزيادة ملحوظة في التهديدات في الخارج، على نطاق لم يُشهد منذ سنوات.

لن يتضح مدى اقتناع الناخبين الإسرائيليين بهذا الأمر، ومدى تأثيره على قراراتهم الانتخابية، إلا بعد أسابيع قليلة. في غضون ذلك، تم تجنب كارثة أمنية كبرى، وربما تم إيقاف تصعيد فوري وخطير. لكن ستبقى الشكوك تحوم حول تزايد المخاطر "الإرهابية"، والطريقة التي تفسر بها الحكومة المعلومات الاستخباراتية الحساسة عشية الانتخابات.