هل حانت ساعة الحقيقة في التعامل مع حماس؟
ترجمة الهدهد
معهد أبحاث الأمن القومي
كوبي ميخائيل
المقال يعبر عن رأي كاتبه
منذ عملية "حارس الأسوار" ويبدو أن التصريح "الإسرائيلي" بأن "ما كان ليس ما سيكون" صحيح بالفعل، ولكن ليس بالمعنى الذي تعنيه أو تقصده القيادة "الإسرائيلية"، فالوضع الإستراتيجي لحماس بعد جولة المواجهة أفضل مما كان عليه في السابق، ويمكن القول إنه على الرغم من أن "إسرائيل" تمكنت من استعادة الهدوء داخل وخارج قطاع غزة، إلا أن ثمنه من الناحية الإستراتيجية أعلى مما ترغب "إسرائيل" في دفعه.
حماس "كمنظمة إرهابية" أصبحت عدوًا أكثر خطورة بشكل عام، وعند حدوث معركة على جبهة أخرى أو ضد إيران بشكل خاص.
لذلك هذا هو الوقت المناسب الذي يجب أن تعيد فيه "إسرائيل" النظر في أفعالها تجاه المنظمة، وعليها أن تأخذ زمام المبادرة - في أنسب وقت لها وليس في الوقت الذي تفرضه حماس عليها- لإلحاق أضرار مستمرة وقاتلة بالبنية التحتية العسكرية للتنظيم في جميع ساحات عملياته حتى على حساب الإضرار بفرص الوصول إلى ترتيب أو تسوية معها.
وقد يتضح أن تجنب العمل في هذا الاتجاه أسوأ وأكثر خطورة من عدم وجود ترتيب معها.
منذ "عملية حارس الأسوار" في أيار / مايو 2021 تواصل "إسرائيل" بمساعدة الوساطة المصرية في محاولاتها؛ للتوصل إلى ترتيب واتفاقات مهمة مع حماس، و أعلنت القيادة "الإسرائيلية" في أكثر من مناسبة بعد عملية "حارس الأسوار " أن " ما كان ليس ما سيكون" وحرصت على التأكيد على أن الترتيب في قطاع غزة يجب أن يشمل عودة جثث الجنديين" أورون شاؤول" و"هادار غولدين" وإعادة "المدنيين الإسرائيليين" الذين تحتجزهم حماس.
كما تم الإدلاء بتصريحات إضافية - وإن كانت أضعف - بشأن وقف عملية التعاظم العسكري لقوة حركة حماس.
ومن ناحية أخرى أكدت حماس أن هناك فصلًا واضحًا بالنسبة لها بين اتفاق الترتيب والذي يهدف إلى إعادة إعمار قطاع غزة وتحسين الواقع الإنساني في المنطقة وبين المفاوضات بشأن عودة الجثث والمدنيين .
كما أوضحت الحركة أنها لا تنوي أبداً وبشكل خاص مناقشة أي جوانب تتعلق ببناء قوتها العسكرية، وفي الواقع منذ انتهاء "عملية حارس الأسوار" بذلت جهدًا كبيرًا لتجديد المخزون لديها وإعادة تأهيل بنيتها التحتية العسكرية، وتطوير الوسائل القتالية مثل الصواريخ الدقيقة و الثقيلة والطائرات بدون طيار والحوامات والقوات البحرية.
في الأيام الأخيرة التي صادفت أيضًا الذكرى الرابعة والثلاثين لتأسيس حماس كانت هناك مسيرات حاشدة داخل قطاع غزة وخارجه أطلق قادة حماس في قطاع غزة خلالها تهديدات متكررة، بما في ذلك إنذار أخير و صريح "لإسرائيل" بخصوص نيتها التصعيد الأمني حتى نهاية كانون الأول، إذا لم يتم تقدم ملحوظ في المفاوضات من أجل التسوية أو الترتيب وفق الشروط التي حددتها المنظمة.
وفي الوقت نفسه ترفع حماس رأسها في الضفة، وتتصرف بتحدٍّ واستفزاز تجاه السلطة الفلسطينية، وعلى الرغم من حظر رفع أعلام حماس، فقد كانت هناك مسيرات متكررة للمسلحين ونشطاء حماس في جنين ومدن أخرى في الضفة الغربية، بالإضافة إلى "نشاطات العنف" من قبل أطر طلابية تابعة لحماس (الكتلة) في حرم جامعتي بير زيت والنجاح، وهم يرتدون زي حماس العسكري، وحتى وهم يحملون السلاح.
شكّل قرار حماس إطلاق صواريخ على القدس في 10 مايو 2021، والذي أدى إلى "عملية حارس الأسوار" تغييرًا في استراتيجية قيادة المنظمة حيث قررت العمل على تغيير قواعد اللعبة ضد "إسرائيل"، وترسيخ نفسها مدافعاً عن القدس والفلسطينيين في القدس والأماكن المقدسة، وإحراج السلطة الفلسطينية وتقويض مكانتها واستقرارها؛ كل ذلك من أجل إضفاء الطابع المؤسسي على وضعها كبديل لفتح والسلطة الفلسطينية.
وأُديرت "عملية حارس الأسوار" في بعدين متوازيين، فبينما ركزت حماس على بُعد الوعي، إذ كانت المعركة الحركية (الصواريخ) هي الوسيلة لديها لترسيخ نفسها قائدا للنضال الفلسطيني في الوعي العام الفلسطيني و"الإسرائيلي" على حد سواء، ركز الجيش "الإسرائيلي" على البعد الحركي وتأطير الإنجازات، بالإشارة إلى الأهداف العسكرية التي دمرها وعدد عناصر حماس الذين أصيبوا أو قتلوا مع تمجيد قدراته العملياتية والاستخباراتية.
في الواقع، كان التغيير في إستراتيجية عمل حماس أوسع بكثير، فقيادة الحركة في قطاع غزة التي كانت حتى "عملية حارس الأسوار" تركز على شؤون غزة ولم تُبدِ أي اهتمام خاص بالضفة الغربية، قررت تحويل الضفة الغربية إلى رافعة لدفع أهدافها في قطاع غزة، وترسيخ مكانتها لدى قيادة حماس ككل، وارتفعت درجة انخراطها في ما يجري بالضفة الغربية، وتبنت قيادة المنظمة في قطاع غزة مع صالح العاروري المسؤول عن الضفة الغربية في قيادة حماس "إستراتيجية المقاومة المزدوجة" التي هي في الأساس محاولة للحفاظ على الهدوء الأمني في قطاع غزة إلى جانب الجهود المتطورة والمكثفة لإنشاء البنية التحتية في الضفة الغربية؛ لتنفيذ "العمليات الإرهابية" ضد "الإسرائيليين" في الضفة الغربية و"القدس الشرقية" و"إسرائيل".
ولا ينتهي الجهد العسكري لديها باستكمال المخزون وتطوير قدرات عسكرية إضافية في قطاع غزة، وبناء وإنشاء بنية تحتية "إرهابية" في الضفة الغربية، فإلى جانب هذه الجهود تعمل المنظمة بمساعدة وتوجيهات إيرانية، وبالتنسيق مع حزب الله على تطوير البنية التحتية العسكرية في جنوب لبنان أيضًا.
بالإضافة إلى ذلك تعمل المنظمة على إشعال المنطقة في "القدس الشرقية"، وتحاول أيضًا إنشاء قنوات اتصال مع المواطنين العرب في "إسرائيل".
هدف حماس في إطار استراتيجيتها للمقاومة المزدوجة هو التوصل إلى ترتيب في قطاع غزة، يشمل رفع الحصار ويمكّن من إعادة إعمار القطاع وتحسين الواقع الإنساني فيه.
إعادة الإعمار بدوره سيسمح للمنظمة بترسيخ شرعيتها العامة والسياسية في قطاع غزة وخارجه، وترسيخ مكانتها قائدا للنضال الوطني الفلسطيني بشكل أكثر نجاحًا وتصميمًا من السلطة الفلسطينية وفتح.
ويهدف الترتيب أيضا إلى السماح لحماس بإنشاء بنية تحتية للجولة القادمة من الاشتباكات مع الجيش "الإسرائيلي".
كل هذا إلى جانب تطوير البنية التحتية العسكرية والسياسية للمنظمة في الضفة الغربية وخارجها، وتكثيف "عمليات الإرهاب" ضد "إسرائيل"؛ من أجل زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية وشرعيتها نتيجة الاحتكاك المتزايد بين الجيش "الإسرائيلي" والسكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية.
والدليل على تعزيز حماس لقوتها العسكرية في الضفة الغربية هو الزيادة الملحوظة في عمليات الاعتقال التي تقوم بها قوات الأمن "الإسرائيلية" وفي العدد المتزايد للبنى التحتية "الإرهابية" النشطة والمنظمة والهجمات "الإرهابية" الكبيرة التي تم إحباطها.
وتشير المعطيات إلى زيادة الوتيرة اليومية للاعتقالات وعمليات الإحباط إلى جانب تزايد عدد عمليات إلقاء الحجارة والقنابل المولوتوف وهجمات الطعن والدهس.
دليل آخر على تصميم حماس هو تراخي الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مواجهة نشاطها، وفي بعض الحالات تتجنب قوات الأمن التابعة للسلطة مواجهة مباشرة مع نشطاء حماس - حتى لو كانوا مسلحين - الذين يعملون علانية ضد السلطة الفلسطينية، على سبيل المثال في جنين أو في الجامعات وفي حالات أخرى حققت القوات الأمنية نجاحًا محدودًا إلى حد ما، وتتعرض لانتقادات عامة متزايدة؛ مما يعكس تآكلًا في دعمها وشرعيتها.
لذلك، منذ عملية "حارس الأسوار" يبدو أن التصريح الإسرائيلي بأن "ما كان ليس ما سيكون" صحيح بالفعل ولكن ليس بالطريقة التي تقصدها القيادة "الإسرائيلية"، فلقد خففت "إسرائيل" من حصارها الأمني المفروض على قطاع غزة، كما لم تفعل منذ "استيلاء حماس على السلطة" في قطاع غزة.
وإلى جانب 10000 تصريح عمل صادر في "إسرائيل" لعمال من قطاع غزة، تم أيضًا تسهيل استيراد وتصدير البضائع، ودخول المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى قطاع غزة.
كما خففت مصر بشكل كبير من القيود المفروضة على معبر رفح وبدأت حتى في تنفيذ عدد من مشاريع إعادة إعمار في قطاع غزة، مع الإدخال غير الخاضع للرقابة لمواد البناء إلى المنطقة.
لم تتحسن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بعد جولة الاشتباكات فحسب، بل إن حماس أصبحت أقوى في الساحة الفلسطينية سياسياً، ومن حيث بنيتها التحتية العسكرية خارج قطاع غزة.
ويأتي ذلك على الرغم من الإحساس المتزايد بالحصار في قطاع غزة ، بعد الانتهاء مؤخرًا من الجدار الأمني الذي أقامته "إسرائيل" على حدود غزة.
يجب أخذ الإنذار النهائي الذي أصدره قادة حماس في قطاع غزة على محمل الجد؛ لأنهم يعكسون بوضوح رؤيتهم للواقع، وكيف يسعون إلى دفع أهداف المنظمة الإستراتيجية بالنظر إلى "لعبة محصلتها الصفرية" بين حماس والسلطة الفلسطينية فإن أي تحسن وإنجاز من قبل حماس هو خسارة للسلطة الفلسطينية؛ مما يزيد من فرص تآكل أداء الأخيرة وشرعيتها في الضفة الغربية، بل ويؤدي إلى زيادة الاحتكاك بين الجيش "الإسرائيلي" والسكان المدنيين إلى درجة إندلاع "أعمال عنف" واسعة النطاق.
صحيح أن "إسرائيل" تمكنت من استعادة الهدوء الأمني داخل قطاع غزة وخارجه بعد "عملية حارس الأسوار" لكن ثمن الهدوء من الناحية الاستراتيجية أعلى مما ترغب "إسرائيل" في دفعه.
فحماس بصفتها "منظمة إرهابية" طورت قدرات عسكرية مزعجة، وهي مصممة على تطوير البنية التحتية العسكرية في الضفة الغربية وجنوب لبنان إلى جانب الجهود السياسية أمام المواطنين العرب الفلسطنيين في الداخل والتعاون الوثيق مع إيران وهي بذلك أصبحت عدوًا أكثر خطورة بشكل عام وعند حدوث معركة على جبهة أخرى غير الساحة الجنوبية أو ضد إيران بشكل خاص.
هذا هو الوقت الذي تحتاج فيه "إسرائيل" إلى إعادة النظر في تصرفاتها تجاه المنظمة، وعليها أن تقوض وتحيد إستراتيجيتها للمقاومة المزدوجة، وأن توضح أن حماس من وجهة نظرها هي قطعة واحدة، وبالتالي فإن كل "نشاط إرهابي" في الضفة الغربية أو جنوب لبنان هو بمثابة "نشاط إرهابي" من قطاع غزة، والمسؤولية تقع على عاتق قيادة حماس في غزة التي لم تعد تحاول إخفاء "تورطها".