ترجمة الهدهد

تحولت أروقة وزارات الخارجية في 15 دولة عربية، بالإضافة إلى واشنطن واندونيسيا وماليزيا، إلى مقار سرية لمجموعات عمل مكثفة تضم أكاديميين ودبلوماسيين وكبار ضباط المخابرات، يجتمعون أسبوعيًا بهدف صياغة وتوقع المستقبل السياسي لإسرائيل لا سيما مع اقتراب انتخاباتها المقبلة، وهو حراك يتبلور خلف كواليس "الألف يوم" التي انقضت منذ 7 أكتوبر 2023.

ولا تبدو هذه المناقشات معزولة عن "الداخل الإسرائيلي"؛ إذ تحافظ هذه المجموعات على قنوات اتصال وثيقة مع ممثلي فلسطينيي 48، وصحفيين، وعسكريين، و"دبلوماسيين إسرائيليين" سابقين، وذلك بحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت".

ورغم التحفظات الإقليمية الواضحة على شخصية "بنيامين نتنياهو"، إلا أن إجماعًا بدأ يتبلور في هذه الأروقة يراهن بقوة على فوزه في الانتخابات القادمة، وسط استغراب واسع من رفضه -هو و"بينيت" و"إيزنكوت"- مد الأيدي والمصافحة مع المكون "الفلسطيني" داخل كيان العدو.

ويمتد هذا الاهتمام السياسي البراغماتي حتى إلى الدول العربية التي لا تعترف رسميًا بـ "إسرائيل"، مثل السعودية وقطر وعُمان والجزائر والصومال وجيبوتي وسوريا ولبنان؛ حيث تشهد هذه المنابر مواجهات كلامية حادة بين "نتنياهو" ومعارضيه.

ومن المفارقات الساطعة في هذا السياق، أن المحللين العرب يبدون إعجابًا لافتًا بشخصية "ليبرمان" لكونه "رجلًا قويًا ومبدئيًا"، فرغم استياء القاهرة من تهديداته السابقة بقصف سد أسوان، إلا أنهم يتعاملون مع علاقاته مع روسيا بطابع عملي، ويضعون في الحسبان انضمامه الحتمي إلى الائتلاف الحكومي المقبل في حال تحقق الفوز.

وفي مقابل هذه الواقعية السياسية، يسود غضب عارم داخل مجموعات العمل جراء "التجاهل الإسرائيلي" التام لمستقبل الضفة الغربية وعدم الاكتراث بمصير "أبو مازن" ورجالات السلطة الفلسطينية.

وينعكس هذا الاستياء في تحذيرات صريحة يطلقها مسؤولون وعسكريون عرب؛ إذ يؤكدون أن "حل الدولتين" يجب أن يظل على الطاولة، وأنه لا سبيل للتوصل إلى اتفاق مستدام أو سحق حركة حماس في قطاع غزة وتولي زمام الأمور هناك، إلا بإدخال القوات الفلسطينية بالتعاون المباشر مع الكيان.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تتبلور ملامح "مبادرة حل" عربية مرتقبة لتقديمها إلى واشنطن ومنها إلى أوروبا، حيث يتوقع أن يتبنى الرئيس الأمريكي "ترامب" -خطة السلام العربية- التي تركز على الربط الأمني والسياسي بين الضفة وغزة، استنادًا إلى تنسيق وثيق بين الاستخبارات والجيش والشرطة الفلسطينية والقوات الأمريكية، على غرار المخطط الجاري إعداده لجنوب لبنان.

ويأتي هذا الحراك في وقت تواجه فيه اتفاقيات السلام القديمة والجديدة اختبارًا باردًا؛ فبينما يقتصر السلام مع مصر والأردن على علاقات رسمية جافة وأجواء سياحية متوترة في سيناء، مقابل شريان حياة اقتصادي يعبر فيه العمال الأردنيون معبر العقبة يوميًا، تراجع زخم "اتفاقيات أبراهام" ليقتصر على تمثيل دبلوماسي في المغرب وأبو ظبي والبحرين، بعد خروج السودان تمامًا من "الحسابات الإسرائيلية".

وتتوج هذه المشهدية المعقدة بقراءة لـ "الاستدارج الإسرائيلي" الفاشل تجاه الرياض؛ فبعد الزيارة السرية الشهيرة التي قام بها "نتنياهو" إلى مدينة "نيوم" في نوفمبر 2020 بتنسيق من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك "مايك بومبيو"، أدى "التسريب الإسرائيلي" السريع للخبر وتجاوز المضيف السعودي إلى انتكاسة في مسار العلاقات، مما دفع السعودية بعد الحرب الحالية إلى تشديد مواقفها بشكل حاسم، مشترطة تحقيق "حل الدولتين" كبوابة إلزامية وحيدة لأي تقارب مستقبلي.