ترجمة الهدهد

تشهد "إسرائيل" هذا الأسبوع ما يُوصف بأنه "الأسبوع الأكثر عاراً" في تاريخ "الكنيست"، عبر حملة نهب دستوري وميزانياتي غير مسبوقة تقودها الحكومة الحالية. وتأتي هذه التطورات المتسارعة لتكشف عن تحول جذري مشوه في مفهوم "اليمين" السياسي؛ حيث تفرض أقلية متنفذة تشريعات تمنح امتيازات وحصانات مالية وعسكرية لطائفة "الحريديم" المتهربة من الخدمة العسكرية، وسط معارضة شعبية جارفة وبما يهدد البنية المجتمعية والأمن القومي من الداخل.

ويأتي هذا المشهد المأزوم ليعلن الغياب شبه التام للنقاش الجوهري والتاريخي الذي كان قائماً بين "اليمين" و"اليسار" في "إسرائيل"؛ فبينما كان الخلاف القديم يتركز على قضايا مصيرية كبناء المزيد من المستوطنات وضم الضفة الغربية وتوسيع القوة المفرطة، مقابل مبادرات السلام وتجميد البناء في أراضي العدو وحماية الحقوق الأساسية، انحرف التمييز السياسي اليوم نحو تطرف متبادل على الهوامش.

ففي أقصى اليمين، باتت الصدارة لتيارات "كاهانية" عنيفة تحول أراضي "أعداء إسرائيل" إلى شرق هائج يسوده العنف والبلطجة المنفلتة من العقاب، يقابلها في أقصى "اليسار" تيار مناهض للصهيونية يتبنى رواية تفكيك الدولة عالمياً، لتكون الغلبة في النهاية للتيار المتطرف الأول الذي يسيطر على مفاصل القرار في الداخل.

وفي ظل حكم شبه حصري لـ "اليمين" على مدار أكثر من عقد، تشوهت الهوية السياسية لهذا التيار لتتحول اليوم إلى ائتلاف يسعى لتمرير إعفاءات واسعة من التوقيف والخدمة العسكرية لصالح المجموعات "الحريدية" وتصوير التهرب كبطولة، بالتزامن مع تحويل ميزانيات ضخمة لهم والتخلي عن التعليم الأساسي.

ويثير هذا السلوك تساؤلات حادة حول صلة هذه السياسات بالفكر اليميني الوطني؛ لا سيما مع تبني أعضاء من حزب "الليكود" لتيار "بن غفير" و"كاهانا"، وتكرار اتهامات "الخيانة من الداخل" التي تضعف الأجهزة الأمنية العليا وتخدم الرواية الدعائية لحركة حماس، فضلاً عن إطلاق تصريحات غير مسؤولة في الساحة الدولية تضر بالكيان وتخدم كارهي "إسرائيل" في الخارج.

"المحكمة العليا" كشريان حياة أخير وصيحة لإنقاذ اليمين الوطني

وأمام هذا الواقع الذي تفرض فيه الأقلية إرادتها بقوة المقاعد البرلمانية وتدوس على حقوق الأغلبية، تبرز "المحكمة العليا" كشريان حياة أخير لإنقاذ الكيان وميزانيتها ودستورها من براثن هذا النهب الممنهج، رغم التحفظات التاريخية السابقة على بعض قراراتها وتدخلاتها.

ويؤكد المشهد الراهن حاجة "إسرائيل" الملحة إلى "يمين" وطني حقيقي؛ يمين قادر على حماية الدولة والدفاع عنها، يعزز قيم الخدمة العسكرية بدلاً من تشريع التهرب، ويسعى للإصلاح بالتوافق لا بالاعتداء التشريعي، وهو تيار لا أثر له في ائتلاف التهرب الحالي الذي ينخر في أركان الكيان.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "بن درور"، يميني
​​​​​​