فوضى الحكم.. كيف تقود "حكومية نتنياهو" "إسرائيل" نحو المجهول؟
ترجمة الهدهد
مقال رأي
إن أحداث الأيام الأخيرة في قرية قصرة قرب رام الله ما هي إلا انعكاس للفوضى التي تقودها الحكومة اليمينية في الضفة الغربية، فكل ما حدث ويحدث في قصرة وغيرها من مناطق الضفة يتم بدعم كامل من "حكومة نتنياهو"؛ وهو أمر يدركه الأمريكيون والدول الأوروبية جيدًا.
بالمناسبة، لا تحاول الحكومة حتى إخفاء ذلك؛ فقد زار الوزير "عميحاي شيكلي"—المسؤول عن ملف مكافحة العنصرية—بؤرة "تل تلبيوت" غير القانونية في أبريل الماضي، وهي البؤرة التي نفّذ عناصرها الأحداث الأخيرة في قرية قصرة المجاورة. وقد شجّع الوزير "شيكلي" المستوطنين الذين أنشأوا هذه البؤر غير القانونية قائلاً لهم: "حان الوقت للتخلص من مفهوم أوسلو ومصطلحاته، ما يربح المعركة هو تربية الأغنام والزراعة، لا التصريحات والكلام".
يشعر "الجيش الإسرائيلي" بالإحباط شديد إزاء هذا الوضع؛ إذ يرفض جميع وزراء الحكومة، بمن فيهم "رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو"، إدانة أعمال مثيري الشغب اليهود، كما يمتنعون عن تقديم أي دعم علني للجيش للتعامل مع هذه الأحداث. ويؤكد الجيش أنه وصل إلى مرحلة تعجز فيها الشرطة عن إنفاذ القانون في الضفة الغربية.
ولاعتقال ناشط يميني لانتهاكه منطقة عسكرية مغلقة، يجب استيفاء شرط واحد: وهو ارتكابه هذا النوع من المخالفات ثلاث مرات متتالية على الأقل، بحسب مصدر عسكري.
ويضيف المصدر أن هناك مجموعة من النشطاء اليمينيين في بؤرة "تل تلبيوت" يُبلَّغ عنهم وعن عشرات الحوادث الإجرامية ذات الطابع القومي لدى الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك)، لكنهم يعلمون تمامًا أن قوات الأمن عاجزة عن اتخاذ أي إجراء ضدهم لأنهم يحظون بدعم من أعلى المستويات السياسية.
نتيجة لذلك، اضطر "الجيش الإسرائيلي" أمس إلى استدعاء الكتيبة 51 من لواء جولاني لتأمين قرية قصرة من خطر استمرار الهجمات الإرهابية اليهودية، وكان من المفترض أن يخضع مقاتلو الكتيبة للراحة بعد خوضهم معارك دامت شهورًا في غزة ولبنان، لكنهم يجدون أنفسهم الآن منتشرين في القرية كدرع بشري في مواجهة هؤلاء الإرهابيين.
إن السياسة التي تمليها القيادة السياسية لا تهدف إلى ردع مثيري الشغب، لذا اكتُفي بطردهم مؤقتًا من القرية. ومن الواضح للجميع—للفلسطينيين، ولـ "الجيش الإسرائيلي"، ولـ "الشرطة"، وللشاباك، وللنشطاء اليمينيين أنفسهم—أن الأمر مجرد مسألة ساعات أو أيام قبل أن يعودوا إلى القرية ويعيدوا إنشاء البؤرة الاستيطانية غير القانونية، تمامًا كما هو الحال مع 115 بؤرة استيطانية غير قانونية أخرى في الضفة الغربية يعجز الجيش حاليًا عن إخلائها.
لكن هذه الفوضى وانعدام الحوكمة لا يقتصران على الضفة الغربية؛ إذ يحذر "الجيش الإسرائيلي" مما يحدث حاليًا في غزة أيضًا. فخلال الت 24 ساعة الماضية، اغتال الجيش أربعة مسلحين، لكن العبرة تكمن في تصريح مصدر عسكري قال فيه: "نحن لا ننفذ عمليات لتفكيك قدرات حماس في غزة، ولا ننفذ عمليات لإلحاق الضرر بمستويات القيادة، ولا نقوم بأعمال انتقامية كما هو معروف بعمليات (نيلي). كل ما نفعله الآن هو استهداف أولئك المسلحين الذين ينفذون أو يخططون لتنفيذ عمليات فورية ضد قوات الجيش الإسرائيلي".
الحقيقة هي أن المقاتلين في غزة يُبلغون عن عودة سيطرة حماس؛ إذ تضخ شاحنات المساعدات ملايين الشواكل يوميًا في خزائن الحركة، كما أدى توقف الاغتيالات إلى خروج عناصر حماس إلى الشوارع وإحكام سيطرتهم على السكان والازدياد قوة.
وفي "الجيش الإسرائيلي"، نرى حماس تتدرب وتستعد، لكن بتوجيهات من القيادة السياسية، عاد الجيش إلى نمط ما قبل السابع من أكتوبر: يرى كل شيء ويُخفي الحقيقة—ويتظاهر بأن ما رآه لم يحدث في الواقع. هذه السياسة تُضعف القيادة العسكرية، ولن يكون إلا مسألة وقت قبل أن تستغل الأطراف الأخرى أي حادث أمني كبير في قطاع غزة ضد "الجيش" والكيان.
إن السياسة الأمنية للحكومة باتت مثيرة للقلق وقد تؤدي إلى أضرار جسيمة بالأمن القومي. بالأمس فقط، اندلعت أزمة مع الإدارة الأمريكية على خلفية أحداث قصرة، مما قد يضاعف عزلة "إسرائيل" على الساحة الدولية، ويمنح حماس وحزب الله، وبالطبع إيران، دفعة قوية في مخططاتهم. وكل ما يحتاجونه الآن هو التوقيت المناسب والذريعة.
المصدر: صحيفة "معاريف"/ "آفي أشكينازي"