ترجمة الهدهد
مقال افتتاحي صحيفة "هآرتس"

انتقدت صحيفة "هآرتس" رفض الشارع و"المؤسسات الإسرائيلية" مواجهة الآلية التي يُدار بها القتل واسع النطاق في قطاع غزة، مشيرةً عبر مقال افتتاحي لها إلى أنه منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، ينشر المخرج والكاتب الوثائقي "يوفال أبراهام" تحقيقات على موقعي "Local Conversation" و"+972 Magazine" ("سيخا موكوميت") تتناول آلية تحديد "الجيش الإسرائيلي" لأهداف غاراته على غزة عبر استخدام مكثف لأنظمة الذكاء الاصطناعي لإنتاج عشرات الآلاف من الأهداف التي يصعب على البشر إدراكها، مما يُلحق أضراراً جسيمة بالمدنيين تُعرف بـ "الأضرار الجانبية".

وأوضح المقال أن صحيفة "هآرتس" نشرت أيضاً تحقيقات مهمة في هذا الشأن دون أن يُصدم "الإسرائيليون" أو تكون هناك استنكار أو تعلن السلطات العسكرية إعادة النظر في مسار عملها؛ حيث لا يزال الرأي السائد في الكيان يتمسك إلى حد كبير بالموقف القائل بأن الفلسطينيين هم من بدأوا هذا في 7 أكتوبر وبالتالي يستحقون ما حدث لهم، وأنه لا يوجد أبرياء في غزة وبالتالي لا وجود لما يُسمى بـ "الأضرار الجانبية"، وأن الأبرياء يموتون في الحرب وهذه هي الحقيقة.

وأضافت الافتتاحية أنه عندما تجرأ "أبراهام" برفقة المخرجة "راشيل شور" على عرض فيلم "نازا" في "مهرجان البندقية السينمائي"، والذي يقدم شهادات مباشرة من جنود وضباط شركاء في هذه الآلية ويكشفون من الداخل كيف تعمل، ثارت ضجة من جميع الأطراف؛ إذ لا يجد "الإسرائيليون" صعوبة في التصريح بأنه "لا يوجد أبرياء في غزة"، ولكن عندما يُعرض فيلم في "البندقية" يكشف أن "الجيش الإسرائيلي" يقاتل كما لو لم يكن هناك أبرياء في غزة، يُعتبر ذلك لسبب ما تعاوناً مع العدو في نظرهم.

وأكدت الصحيفة أن الصدمة التي انتابت "شور" و"أبراهام" من جرأتهما على "تشويه سمعة جنود الجيش الإسرائيلي"، أو "نشر الفساد في العلن"، أو "تسليح معاداة السامية" -أو غيرها من التحفظات التي تُسمع بدرجات متفاوتة من العداء- تعكس وعياً محلياً مذهلاً في تناقضه؛ ففي نهاية المطاف حاولا حل مشاكلهما في الداخل فقوبلا بتجاهل تام. وشددت على أن كل من ظن أن العالم بحاجة إلى "شور" و"أبراهام" ليدركا أن القتل الواسع النطاق في غزة غير مبرر وغير أخلاقي فهو واهم، فمشكلة "إسرائيل" ليست الدعاية بل الواقع.

وبحسب المقال، يحاول "أبراهام" و"شور" من خلال عرض فيلمهما في "مهرجان البندقية السينمائي" إجبار "الإسرائيليين" على مواجهة ما يعرفونه بالفعل: أن هناك راية سوداء ترفرف فوق الطريقة التي تدير بها "إسرائيل" الحرب في "غزة" على أقل تقدير، وهو نقاش لا بدّ أن يُجرى في الكيان، إلا أن معظم "الإسرائيليين" يفضلون تجنبه ويتمسكون بشكل أو بآخر بفكرة أن التظاهر بالاضطهاد يمنح "إسرائيل" حصانة أخلاقية.

واختتمت "هآرتس" مقالها بالتشديد على أن صانعي الفيلم ليسوا مجرد أداة دعائية أو لجنة تضليل لـ "الكيبوتس" المسمى "إسرائيل"، بل هم صادقون مع ضمائرهم ومهنتهم التي اختاروها لأنفسهم، وبشجاعة كبيرة يواجهون تيار التواطؤ والرقابة الذاتية المظلم، مؤكدة أنه بدلاً من تهديد حياتهم وتشويه سمعتهم، ينبغي على "الجمهور الإسرائيلي" مشاهدة الفيلم والبدء أخيراً في نقاش حول ما فعلناه في غزة.