جنين – جنين إلى الأبد
ترجمة الهدهد
غداً، بعد غدٍ، بعد انتهاء العملية العسكرية "بيت وحديقة"، وبعد أن ينقشع ضباب المعركة من سماء جنين ويعود إلى ميدان المدينة الباعة المتجولون ليعرضوا مرة أخرى بضائعهم، وحين يعود مقاتلو "الجيش الإسرائيلي" إلى قواعدهم، وفي شعبة العمليات في هيئة الأركان يضيفوا إلى الخزانة الكبيرة ملفاً آخر مع تفاصيل المعركة، لينتظر صفحات البحث واستخلاص الدروس تحت العنوان "بيت وحديقة – نغير المعادلة" – في أجواء الصيف الحار هذا سيحوم مرة أخرى السؤال الخالد الأبدي، وماذا بعد ذلك؟
بالصيف، قبل 56 عاماً بالضبط، في الأيام التي تلت حرب 1967، حين كان الجميع يسيرون هنا مخمورين بالنصر ويشعرون كأسياد هذه البلاد، تم ضمي إلى قوة خاصة كانت مهمتها العثور على دبابات الجيش الأردني التي أصيبت وتركت أثناء القتال، لأجل ترميمها، هكذا وصلت في حينها إلى جنين أيضاً، إلى منطقة المعركة المريرة التي وقعت في سهل العرابة المجاور لها، بأحاسيس النشوة التي رافقتني في حينه.
مثل كثيرين آخرين، فكرت في نفسي بأن جنين وسهل العرابة لن يشهدا بعد اليوم الحروب، لا دبابات ولا مركبات حربية، لم أحلم أنه بعد 56 عاماً ستبقى تسحق هناك تحت آليات الحرب الزهور الجميلة التي تنمو هناك في هذه الفترة من السنة.
منذ زمن تحولت جنين لتصبح رمزاً ومدينة معقل للمقاومة الفلسطينية، إن كانت مكة هي قبلة الإسلام فإن جنين هي قبلة المقاومة.
لماذا جنين بالذات؟ ولماذا لا نجعل نحن مرة واحدة وإلى الأبد نهاية لجنين؟
هذه أسئلة يسألها الكثير من "الإسرائيليين" من ذوي نوازع الغضب والثأر منذ زمن بعيد ويتلقون الجواب في حملة إثر حملة، الأسئلة الواجبة ألم يحن الوقت لإعادة التفكير في مسار جديد، والبحث عن سبل أخرى للتصدي للمقاومة التي تهزنا، وتخلق نفسها في كل مرة من جديد وتواصل جباية ثمن دموي باهظ؟
في الجانب الآخر يوجد جيل فلسطيني شاب، مع أحلام وإرادات يسأل نفسه: "إلى متى سنبقى تحت الاحتلال في الفقر وبلا مستقبل، نحن ملزمون بالعمل لنوقف هذه المعاناة ولنعمل ما لم يعمله آباؤنا، وأجدادنا منذ أكثر من 50 عاماً، يدور الحديث عن جيل لم يعرف المعاناة ولم يشهد الحروب، ولا الانتفاضات التي كانت هنا.
جيل يرى أمام ناظريه حياة الرفاه، الثراء والغنى "الإسرائيلي"، وليس مستعداً لأن يسلم بهذا الواقع الذي يعيش فيه، وليس فيه ذرة مستقبل وأفق، وهذا دون صلة بحق العودة، إلى الأراضي المحتلة وإلى رواسب الماضي، ليس بيننا أي شاب طبيعي في عصرنا كان مستعداً لأن يقبل ويسلم بمثل هذا الواقع.
بالطبع العمليات والعنف ليس الجواب لمثل هذا الواقع، ومثل ذلك أيضاً القتال بلا هوادة ضد المقاومة، مع أعمال ناجحة ومبهرة مهما كانت فهو أيضاً لن يجدي نفعاً هنا، عندما نحاول حل مشكلة مؤلمة وجذرية بهذا القدر، يجب أن نستوعب بأن العنف مقابل العنف ليس الحل، وأن النار لا يمكن إطفاؤها بالنار، كي نقدم لهذا الواقع أخيراً جواباً حقيقياً وصحيحاً، مطلوب زعامة شجاعة، خالية من الآراء المسبقة وخالية من المؤثرات والضغوط.
زعامة مستعدة لأن تتصدى بشجاعة للواقع، واعية لكل إخفاقات الماضي، ورغم ذلك مستعدة لأن تسير بشجاعة نحو تنازلات واتفاقات، حتى لو كانت أليمة للطرفين، لإنه بدون تنازلات لن يكون ممكناً الوصول إلى إنهاء هذا الصراع الأبدي.
الواضح هو أنه مع قيادة أبو مازن و"بنيامين نتنياهو" لن يكون ممكناً الوصول إلى حل.
كلاهما زعيمان فشلان على مدى الطريق في إيجاد حل للمشكلة، كلاهما عديما الشجاعة والإرادة اللازمة للوصول إلى اتفاق، وكلاهما يخضعان لمؤثرات ولضغوط تمنعهما من الوصول إلى حل.
من هنا، فإنه بهذا الواقع ستواصل جنين إشغالنا وإقلاقنا كمعقل للمقاومة بلا توقف حتى بعد عملية "بيت وحديقة".
المصدر: معاريف/ "أفرايم غانور"