تفويت فرصة تاريخية!
#ترجمة_الهدهد
تقف "إسرائيل" الآن أمام فرصة تاريخية للترويج لاتفاق تطبيع مع السعودية، قد يكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى على "الأمن القومي الإسرائيلي" والقوة الإستراتيجية "الإسرائيلية" متعددة الأبعاد، ليس من فراغ حدد "نتنياهو" اتفاق التطبيع مع السعودية عند توليه منصب رئاسة الوزراء كأحد الهدفين الرئيسيين في الساحة الخارجية (الآخر - وقف المشروع النووي الإيراني).
إن تحقيق التطبيع يعتمد على المثلث بين السعودية والولايات المتحدة و"إسرائيل"، وعلى قدرة كل طرف على دفع التفاهمات التي تلبي مطالب الجميع، وهي في الحقيقة صفقة واحدة كبيرة، ويعتمد تحقيقها الكامل على وجود مكونات مختلفة من قبل كل من اللاعبين.
تآكل نقاط القوة الاستراتيجية لـ "إسرائيل"
في الأسابيع الأخيرة، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن السياسة العامة لحكومة "نتنياهو" تؤدي إلى إضعاف نقاط القوة الاستراتيجية وتراجع الأمن القومي لكيان العدو وقدرته على الصمود، وتنعكس هذه الاتجاهات في البعد الاستراتيجي على المستوى العسكري، وفي المجال الاقتصادي وفي المجال الاجتماعي.
عمليا، صورة "إسرائيل" كدولة ديمقراطية مزدهرة في خطر، فالكيان على شفا شقاق عميق قد ينعكس على قوة "الجيش الإسرائيلي"؛ ونشأت أزمة ثقة عميقة في العلاقات مع الإدارة الأمريكية؛ و يبدي العالم العربي تحفظات قوية على تصرفات الحكومة تجاه الفلسطينيين؛ وهناك علامات واضحة على الضرر الذي يلحق بالاقتصاد في ظل تراجع الاستثمار الأجنبي، خاصة من شركات التكنولوجيا الفائقة، وتآكل صورة قوة "إسرائيل".
"أعداؤنا في المنطقة وعلى رأسهم إيران وحزب الله وحماس يدركون بوادر الضعف ويواصلون عمليات التعزيز ومراكمة القوة"، هذا مع إظهار الثقة بالنفس والجرأة المتزايدة، خاصة من جانب حزب الله لتحدي "إسرائيل"، والحديث هنا يدور عن سلسلة من الحوادث في فترة وجيزة من أربعة أشهر فقط - هجوم على مفترق مجيدو، إطلاق صواريخ من لبنان، نصب خيمتين في مزارع شبعا، إطلاق صاروخ مضاد للدروع سقط بالقرب من قرية الغجر، استفزازات بالقرب من السياج الأمني وأكثر من ذلك، ليس من أجل لا شيء، حذر رئيس شعبة الاستخبارات اللواء "أهارون حليفه"، في مؤتمر "هرتسليا" من أن نصر الله على وشك ارتكاب خطأ "قد يؤدي إلى تدهور المنطقة إلى حرب كبرى".
السعودية - تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة مقابل التطبيع
يستعد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان لبداية عهده كملك، ويضع خططًا طويلة الأجل لتأسيس المملكة العربية السعودية كقوة اقتصادية عالمية وزعيمة للعالم الإسلامي، في رأيه فإن حجر الزاوية لتحقيق رؤيته هو إقامة شراكة إستراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي سترتكز على ثلاث ركائز:
١- ضمانات أمنية تشمل التزامًا بمساعدة المملكة العربية السعودية في حالة تعرضها للهجوم أو وجود خطر حقيقي على أمنها القومي.
٢- توريد أنظمة الأسلحة الأكثر تقدمًا، مع التركيز على أنظمة الدفاع، وكذلك الطائرات المقاتلة F35، وأكثر من ذلك.
٣- الموافقة على إنشاء دائرة وقود مدني كاملة في المملكة متضمنة استلام مفاعلات طاقة نووية لتوليد الكهرباء من الولايات المتحدة الأمريكية.
وفقًا لنهج ولي العهد السعودي، فإن الركيزة الأساسية الأخرى لتحقيق الرؤية تتمثل في تخفيف التوترات الإقليمية، بما في ذلك مع أعداء المملكة وخصومها، إيران وسوريا وتركيا، يبدو أنه وفقًا لهذا المفهوم فإن محمد بن سلمان مستعد للترويج لاتفاقية تطبيع مع "إسرائيل"، ربما يستند هذا إلى التقييم القائل بأن مثل هذه الاتفاقية هي الطريقة الوحيدة لإقناع الحكومة الأمريكية بالاستجابة لطلباته.
علاوة على ذلك، يرى ولي العهد أن التقدم السياسي بين "إسرائيل" والفلسطينيين ليس شرطا ضروريا، ومع ذلك، هناك علامات استفهام حول ما إذا كانت المملكة العربية السعودية مستعدة بالفعل لتعزيز التطبيع في واقع تتخذ فيه حكومة "نتنياهو" خطوات أحادية الجانب لضم الضفة الغربية بطريقة قد تؤدي إلى تصعيد واسع وتؤثر أيضًا على الاستقرار في الأردن.
الولايات المتحدة - تغيير سلوك حكومة العدو كشرط للتطبيع
من جانبها، ترى الولايات المتحدة إعادة العلاقات مع المملكة العربية السعودية مصلحة عليا بالنسبة لها في الصراع المتنامي مع الصين، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الفهم الذي تغلغل في واشنطن بأن السياسة المتبعة تجاه المملكة العربية السعودية في العامين الأولين من إدارة بايدن، وخاصة تجاه ولي العهد دفع المملكة بعيدًا نحو الصين (وروسيا).
ومع ذلك في ضوء المطالب الثقيلة لمحمد بن سلمان، يبدو أن الإدارة تقدر أنه من أجل أن تكون قادرة على الموافقة عليها، خاصة في الكونجرس، الذي يمتلك العديد من أعضائه موقفًا متحفظًا تجاه المملكة العربية السعودية، يجب عليها في الوقت نفسه الترويج لاتفاقية تطبيع تاريخية بين المملكة العربية السعودية و"إسرائيل".
من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن "إسرائيل" مطالبة بالمساهمة بنصيبها في تحقيق الصفقة، وقد قال الرئيس "بايدن" نفسه مؤخرًا أن الطريق للتوصل إلى اتفاق لا يزال "بعيدًا، ويظهر تحليل كلماته أن حكومة "نتنياهو"، والتي تعتبر في نظره الأكثر تطرفا في الخمسين سنة الماضية مطالبة بتغيير سياستها وتعاملها مع قضيتين أساسيتين، الأولى، وقف التعديلات القضائية التي تهدد بتقويض أسس القيم الديمقراطية المشتركة التي يقوم عليها التحالف الاستراتيجي بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، كما أوضح بايدن أن الموضوع سيكون محور المحادثات خلال زيارة رئيس الدولة للولايات المتحدة.
وثانيًا وقف الخطوات الأحادية الجانب تجاه الفلسطينيين والتي تهدف إلى السماح بتوسيع المستوطنات وقد تؤدي إلى انهيار السلطة وتصعيد واسع، إلى جانب النهج المرن الذي تنتهجه حكومة "نتنياهو" حسب نظرة الحكومة الأمريكية تجاه الجريمة القومية بحق السكان الفلسطينيين.
تقف "إسرائيل" عند مفترق طرق تاريخي لصنع القرار..
من هذا يبدو أن حكومة "نتنياهو" لديها القدرة على التأثير بشكل كبير في إمكانية الترويج لاتفاقية تطبيع مع السعودية، وتحقيقا لهذه الغاية، يجب أولا وقبل كل شيء أن تعمل على وقف التعديلات القضائية، وتغيير السياسة تجاه النظام الفلسطيني.
في الواقع، "حكومة إسرائيل" بقيادة "نتنياهو" على مفترق طرق تاريخي - يجب أن تختار بين أن تكون ديمقراطية مزدهرة وقوة إقليمية ذات نقاط قوة استراتيجية عسكرية واقتصادية وتكنولوجية، وبين اندحارها وتحولها إلى دولة متخلفة بعيدة عن القيم الغربية، وطالما استمرت العمليات التخريبية في الساحة الداخلية وضد الفلسطينيين، فإن إمكانية تحقيق التطبيع مع السعودية ستصبح أبعد وأبعد، ومعها حلم عهد جديد في العلاقات مع العالم الإسلامي السني، بما في ذلك إمكانية إقامة مشاريع اقتصادية ضخمة عبر القارات والحدود.
علاوة على ذلك، فإن القدرة على التعامل مع التهديد الإيراني المتزايد، وخاصة احتواء المشروع النووي الإيراني، تعتمد إلى حدٍّ حاسم على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإمكانية تعزيز التعاون الأمني مع دول الخليج.
العلاقات مع الإدارة واتفاقية التطبيع مع المملكة العربية السعودية قد تشكل نقطة تحول في المواجهة الشاملة مع التهديد الإيراني، ومن ناحية أخرى، فإن استمرار عمليات الانحدار سيؤدي إلى تآكل كبير في قدرة "إسرائيل" الاستراتيجية على التعامل مع مجموعة التهديدات التي تواجهها من قبل إيران وحزب الله وحماس.
المصدر| معهد السياسات والاستراتيجيات