السعودية تطالب وإسرائيل تتردد.. هل ينجح ترامب في اختراق الحاجز؟
شبكة الهدهد
آنا بارسكي - معاريف
من المتوقع عقد لقاء مهم يوم الثلاثاء المقبل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان – وهي لحظة نادرة لكنها معقدة قد تُمثل تقدمًا محتملًا في اتفاقيات ابراهام ، وترسم مسارًا جديدًا ومهمًا في العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.
هذا ليس مجرد لقاء دبلوماسي روتيني آخر، مهما كان مُبهرجًا، بل هو محاولة لإعادة تموضع هذه الأطراف الثلاثة ضمن الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
الواقع واضح: على السعودية أن تتجاوز – حتى لو لم يكن ذلك فورًا وبشكل كامل وسريع - وضع الشريك الصامت المتعاون سرًا إلى وضع الشريك السياسي العلني لإسرائيل. هذا التحول ليس تقنيًا فحسب، بل يتعلق بالهوية والشرعية في العالم العربي، والطريقة التي تُقدم بها العائلة المالكة السعودية نفسها للجمهور وجيرانها.
على الجانب الأمريكي، وفي ظل النفوذ الذي يسعى ترامب لتجسيده، ثمة رؤية واسعة النطاق: تحويل منطقة الخليج إلى "خط جبهة" ضد مشروع إيراني متكامل – نووي، إرهابي، ونفوذ إقليمي – ونسج شبكة من التحالفات والاتفاقيات والتعاون حول إسرائيل.
الفكرة هي مواجهة طهران بكتلة مستقرة تجمع بين المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، تُشكل إسرائيل والمملكة العربية السعودية ركائزها الأساسية.
لكن الفجوات المطروحة عميقة. تُطالب السعودية بضمانات دفاعية واضحة، والتزامات أمنية طويلة الأمد، واعتراف عملي وجاد بمصير الفلسطينيين. من وجهة نظر الرياض، يجب تعزيز أي خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل ووضوحها التام في السياق الفلسطيني، حتى لو لم تكن اتفاقًا نهائيًا.
من ناحية أخرى، لا تُبدي إسرائيل أي استعداد حقيقي لتعميق المفاوضات مع الفلسطينيين أو الالتزام بالاعتراف بدولة فلسطينية – وهو شرط تفرضه علاقتها مع السعودية، صراحةً أو ضمناً.
وهنا ينبع أحد خطوط الصدع الرئيسية: إذ تطالب السعودية بثمن سياسي، بينما تُفضّل إسرائيل اعتبار هذه الخطوة مكسباً أمنياً واقتصادياً بالدرجة الأولى.
ما الذي لا يُتوقع حدوثه يوم الثلاثاء؟ من غير المتوقع حدوث تطبيع سريع ودراماتيكي، يُجسّد في حفل توقيع احتفالي، ويُرسّخ اتفاقًا كاملًا مع السعودية، وبالتأكيد ليس اتفاقًا يُنهي القضية الفلسطينية.
ورغم التصريحات والوعود والتصريحات المبالغ فيها التي يروج لها الرئيس ترامب بأفضل أسلوبه، فمن الصعب أن نرى الآن أي اختراق من شأنه أن يجعل هذا اليوم يوما تاريخيا عندما يكون التطبيع الرسمي والشامل والنهائي بين الرياض والقدس على الطاولة.
وما المتوقع؟ في هذه المرحلة، وقبل كل شيء، سلسلة من التفاهمات والاتفاقيات الأمنية والاقتصادية. ستسعى السعودية للحصول على إعلان دفاعي من الولايات المتحدة، واتفاقيات استثمار واسعة النطاق، والوصول إلى تقنيات استراتيجية، وشراكة في مشاريع إقليمية.
كل هذا سيُدرج تحت عنوان "القضية الإسرائيلية"، ولكنه سيُترجم في الغالب إلى خطوات عملية - وليس بالضرورة خطوة سياسية كاملة ومعلنة للتطبيع. بمعنى آخر، قد نشهد نقلة نوعية في البنية التحتية – دون إعلان رسمي عن الوجهة النهائية.
وهنا ما يجب على إسرائيل أن تأخذه في الاعتبار:
1. ليس التوقع مجرد توقيع وثيقة رسمية، بل استمرارية في العمل. إذا شعرت السعودية بأن إسرائيل تتجاهل الجانب الفلسطيني، أو تماطل دون أي تحرك حقيقي، فقد يُؤجل بدء المفاوضات المفتوحة مرارًا وتكرارًا. من وجهة نظر الرياض، ليس هذا بندًا شكليًا، بل هو معيار لجدية إسرائيل.
2. تحتاج إسرائيل إلى توضيح داخليًا وخارجيًا: هل هي مستعدة للموافقة على "أفق ومسار للفلسطينيين" كجزء من النموذج – مسار مستقبلي، حتى وإن كان تدريجيًا وحذرًا، يمكنهم من خلاله المضي قدمًا نحو نوع من الترتيب؟ في غياب هذا المجال للنمو، قد تفضل السعودية البقاء، والحفاظ على تعاون هادئ، وتجنب دفع الثمن السياسي – الداخلي والإقليمي – الذي يترتب على التطبيع العلني.
حتى لو كانت التصريحات العامة مُجاملة وتصف "عهدًا جديدًا"، فإن التغيير الحقيقي سيُقاس على أرض الواقع: زيارات رسمية وإعلامية واسعة، وتعاون اقتصادي، ورحلات جوية مباشرة، وتنسيق إقليمي في مشاريع مشتركة، والأهم من ذلك - انفتاح إعلامي وخليجي تجاه إسرائيل. بدون هذه الخطوات، ستبقى أي وثيقة سياسية - ناهيك عن التصريحات المثيرة – حبرًا على ورق.
ليس اجتماع الثلاثاء حدثًا يُقصد به إنهاء هذه القضية، بل محاولةٌ لكسرِ نقطةِ الالتقاء – لبناءِ بنيةٍ جديدةٍ للعلاقاتِ والمصالحِ والتفاهماتِ بين الأطرافِ الثلاثة. لا يضمنُ هذا الاجتماعُ توقيعًا نهائيًا يُسدُّ جميعَ الفجواتِ في المطالب، ولكنه قد يُمثِّلُ بدايةَ الطريقِ نحوها.
هل هذا يوم الحسم؟ ليس بالضرورة. ولكن هل يمكن أن يكون يومًا نشهد فيه "خروجًا عن المسار القديم"، تحولًا من التعاون الهادئ والخفي إلى محاولة إرساء أسس شراكة مفتوحة؟ بالتأكيد.
إذا عرفت إسرائيل كيف تدير توقعاتها، وتضع شروطها بحكمة، وتدرك الثمن الذي يتعين عليها دفعه، فقد تجد نفسها من جديد ليس فقط جزءًا من الاتفاقيات، بل كأحد الأطراف المحورية في المشهد المتغير أمام أعيننا.