مستقبل الليكود وتأثيره على المشهد الإسرائيلي
تحليل الهدهد
يواجه حزب الليكود، بقيادة بنيامين نتنياهو، مرحلة مفصلية تتشابك فيها التهديدات الداخلية مع التحديات السياسية والأمنية الخارجية، مما يضع مستقبل الحزب ومعه مستقبل إسرائيل أمام سيناريوهات غير محسومة. يهدف هذا التقرير إلى تحليل أربعة محاور رئيسية تحدد المسار المستقبلي لليكود في ظل المعطيات الحالية: الصراع الداخلي على الخلافة، تأثير قانون التجنيد على بنيته، موقع نتنياهو الحالي والمستقبلي، وتأثير الليكود على مسار الانتخابات والسياسة الإسرائيلية العامة.
صراع الخلافة الداخلية ونظام "التناوب" الوهمي
تُظهر الأحداث الأخيرة، وخاصة الإذلال العلني الذي تعرض له وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن نتنياهو لا يزال يُمارس "آلية دفاع سياسي" صارمة تهدف إلى تخفيف حوض الورثة ومنع ظهور أي بديل قوي يمكن أن يُشكّل تهديدًا على زعامته أو يُستخدم ضده في سيناريو "نعم لليكود - بدون بيبي".
- إذلال كاتس وتفكيك الورثة: الحادثة التي تعرض فيها كاتس للإهانة العلنية وإلغاء خيار "التناوب" بينه وبين إيلي كوهين وجدعون ساعر، لم تكن مجرد نوبة غضب شخصية، بل هي جزء من استراتيجية ممنهجة. يُنظر إلى كاتس كـ "شخصية موثوقة ومؤثرة في استطلاعات الرأي"، وقد غيّر تعيينه وزيرًا للدفاع صورته من "وزير بنية تحتية ممتاز" إلى مرشح محتمل لرئاسة الوزراء. هذا الزخم هو بالضبط ما يخشاه نتنياهو. الهدف هو "قص أجنحة" أي خليفة محتمل قبل أن يتمكن من بناء قاعدة شعبية أو مؤسساتية تهدد القيادة.
- نظام "التناوب" كأداة ضغط: إن مجرد طرح فكرة نقل كاتس إلى وزارة الطاقة وتعيين جدعون ساعر وزيرًا للدفاع كان تهديدًا حقيقيًا. هذا يبرز أن اتفاقيات التناوب والتعيينات الوزارية في الليكود ليست آليات تنظيمية، بل هي أدوات لتقييد النفوذ والمكافأة أو المعاقبة. بقي كاتس في منصبه مؤقتًا، ولكن الرسالة وصلت: "من لا يُبدع لن يكون بديلاً"، ويجب أن يبتعد عن استخدام ضمير المتكلم "أنا" والتركيز على "بقيادة رئيس الوزراء".
- ديناميكية المتنافسين:
- يسرائيل كاتس: يمتلك منصبًا أمنيًا حساسًا، لكنه يتعرض لضغوط مستمرة للتقليل من دوره.
- جدعون ساعر وإيلي كوهين: ساعر يبلي بلاءً حسنًا في الخارجية، بينما تُرك إيلي كوهين دون التناوب الموعود، مما يجعله في وضع ضعيف سياسياً على الرغم من موقعه الوزاري.
- نير بركات: كوزير للاقتصاد، لا يزال بعيدًا عن حقيبة أمنية أو سياسية رئيسية، مما يقلل من "زخم" ترشحه.
إن هذا الصراع المستمر على القوة يؤدي إلى تخفيف مخزون الورثة المحتملين مُسبقًا، ويضمن أن يظل نتنياهو هو الوحيد القادر على قيادة الحزب دون منازع داخلي حقيقي، حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة الوزارية.
النفوذ الحريدي وتحول الليكود إلى "رهينة الجماعات المُنظّمة"
تشير كشوفات "يديعوت أحرونوت" و"واي نت" إلى أن الليكود يعاني من تغلغل مقلق للأحزاب المتشددة داخله، وخاصة فيما يتعلق بانتخابات "مركز الحزب" (الهيئة المكونة من 3500 عضو التي لها نفوذ كبير في اختيار قوائم الكنيست وتشكيل أجندة الحزب).
- شراء الأصوات وتغيير الهوية: هناك نشاط مكثف من "مشتري الأصوات الحريديم" وأعضاء من أحزاب مثل شاس، وأغودات يسرائيل، وديغل هتوراة، الذين يسجلون وينشطون في فروع الليكود (مثل بيتار عيليت، حيث ارتفع عدد الناخبين المؤهلين لمركز الليكود من 328 في الانتخابات العامة إلى حوالي 1000 ناخب في الانتخابات الداخلية). هؤلاء الأعضاء الجدد ليسوا "ليكوديين حقيقيين" في الغالب، بل هم تابعون سياسيون لأقطاب حريدية (مثل يوسي روزنباوم وإيتسيك كوفمان).
- التهديد الداخلي للحزب: يؤكد المستشار الاستراتيجي أودي تيني أن "المؤسسة الحريدية تبذل قصارى جهدها لضرب الأصوات الصهيونية المتبقية في بني براك"، ويحذر من "تدمير منزلنا". هذا يوضح أن التغلغل ليس مجرد تلاعب بالانتخابات، بل هو محاولة لـ تحويل أجندة الحزب الليبرالية الوطنية وتقييدها لخدمة مصالح الحريديم.
- الليبرالية مقابل "العبودية": يؤكد أعضاء كنيست من المعارضة (مثل فلاديمير بيلياك وكارين إلحرار) أن هذا النفوذ هو السبب في موافقة نتنياهو على سن "قانون التهرب المُشين"، محذرين من أن الليكود أصبح "مجموعة من العبيد الخاضعين لمؤسسة الحريديم". إن هذا التغلغل يعرض الليكود لخطر فقدان هويته الليبرالية الوطنية وسجنه في "جماعات المصالح"، مما يُبعد الناخبين الليكوديين التقليديين عن تشكيل أجندة الحزب.
- العلاقة مع "فتيان التلال": لا يقتصر التغلغل على الحريديم؛ حيث يسعى "فتيان التلال"، وهي مجموعة من أقصى اليمين، إلى ترشيح ممثلين لقائمة الليكود في الضفة الغربية (بنيامين) للتأثير على "أعضاء الكنيست والوزراء" لدعم قضيتهم (الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية). هذا يدل على أن المركز الجديد لليكود سيكون أكثر تطرفًا ويمينية، وأقل ارتباطًا بالقيادة المركزية.
نتنياهو: البقاء في السلطة والبحث عن "المخرج القانوني"
يواجه نتنياهو مفترق طرق بين البقاء مع الائتلاف المتشدد الحالي (بن غفير وسموتريتش) الذي يعارضه بشدة (بسبب قضية السعودية والدولة الفلسطينية) وبين البحث عن مسار جديد. موقعه يتحدد حاليًا بثلاثة عوامل رئيسية:
- إزالة العائق القانوني (صفقة الإقرار بالذنب): نتنياهو لا يبحث عن "عفو رئاسي كامل" ينهي مسيرته السياسية، بل عن "صفقة إقرار بالذنب مبتكرة" (أو أي تسوية قانونية) تنهي القضايا الجنائية وتُزيل "العائق الرسمي" للتحرك السياسي، دون أن تُجبره على التقاعد. إزالة هذا العائق ستمكنه من تشكيل حكومة أوسع نطاقاً (يمين وسط) بعيداً عن المتشددين الحاليين، وهو ما يُعتبر شرطاً أساسياً لتحقيق طموحه الأكبر: اتفاقية تطبيع تاريخية مع السعودية.
- حلم التطبيع مع السعودية ????????: تُعد اتفاقية التطبيع مع السعودية هي الفرصة التاريخية الأخيرة لنتنياهو لتعزيز إرثه. لكن مطالب محمد بن سلمان واضحة: "إطارٌ سياسيٌّ لحل القضية الفلسطينية، وحديثٌ واضحٌ عن دولة". مع وجود بن غفير وسموتريتش، هذا مستحيل، حيث أن أي ذكر لـ "حل الدولتين" يُعد "كلمة بذيئة". لذلك، يُشكل الائتلاف الحالي "عائقًا أمام الرياض"، بينما تُتيح حكومة يمين وسط (الليكود + المعارضة المعتدلة) إمكانية تمرير اتفاق "على الورق" مع السعودية.
- التحكم في الليكود للحفاظ على الخيارات: إن إبقاء الليكود موحداً تحت زعامته، وتقويض أي بديل قوي، هو الآلية التي يستخدمها نتنياهو لـ الحفاظ على "الخيار المستقبلي" لتشكيل حكومة موسعة. فهو يُريد أن يكون الليكود تحت سيطرته الكاملة حتى اللحظة التي يجد فيها الحل القانوني ويُقرر الاتجاه نحو الرياض وتشكيل ائتلاف جديد.
مستقبل الليكود وتأثيره على الانتخابات المقبلة وإسرائيل
إن مستقبل الليكود ليس مجرد شأن حزبي، بل هو المحدد الأكبر لمستقبل إسرائيل السياسي والأيديولوجي والأمني.
- الانتخابات والمركز الليكودي الجديد: ستحدد انتخابات مركز الليكود (مؤتمر الليكود الخامس) مسار الحزب للفترة المقبلة. إذا استمر التغلغل الحريدي واليميني المتطرف، فإن "قاعدة" الليكود الجديدة ستكون أكثر تطرفًا ورجعية وتشددًا في قضايا الضفة الغربية والتعامل مع الفلسطينيين، وستكون أقل استعدادًا لدعم تسوية معتدلة (كالتطبيع مع السعودية).
- الانسداد السياسي واستمرارية الليكود: تُظهر استطلاعات الرأي أن الليكود سيبقى "الحزب الأكبر"، وأنه "لن يكون هناك ائتلاف صهيوني بدون الليكود". هذا يعني أن إسرائيل مُتجهة إلى:
- حكومة وحدة وطنية واسعة: تتطلب تنازلات أيديولوجية عميقة من نتنياهو (وإزالة العائق القانوني) للانضمام إلى المعارضة.
- حكومة انتقالية أبدية: حالة من الجمود وعدم الاستقرار السياسي المستمر.
في كلتا الحالتين، يظل الليكود هو "اللاعب الحاسم".
- التأثير الأيديولوجي: ستُجيب نتائج مؤتمر الليكود على أسئلة حول هويته المستقبلية: "هل سيدافع عن إسرائيل أو ينمي دولة يهوذا؟". سيؤدي النفوذ المتزايد للمتدينين المتشددين و"فتيان التلال" إلى دفع الحزب بشكل متزايد نحو "بناء المستوطنات مهما كلف الأمر" وتكريس نفسه لأجندة يمينية متطرفة، مما يُصعّب أي تحرك نحو حل سياسي للقضية الفلسطينية (حتى لو كان رمزيًا).
خلاصة التحليل
يُعدّ الليكود، في الوقت الحالي، حزبًا قوياً على المستوى الانتخابي العام ولكنه هشّ وضعيف داخليًا.
- موقف نتنياهو: نتنياهو هو المسيطر المطلق على الحزب ولكنه أسير ائتلافه المتشدد الذي يغلق أمامه أهم خيار استراتيجي (التطبيع مع السعودية). سعيه الأساسي الآن هو تأمين مخرج قانوني لكي يتمكن من التخلص من شركائه المتشددين وتشكيل حكومة يمين وسط واسعة.
- مستقبل الليكود: يتجه الحزب نحو قاعدة أكثر تطرفاً ويمينية بسبب تغلغل جماعات المصالح الحريدية واليمين المتطرف، مما سيجعل قيادته المستقبيلة (بما في ذلك نتنياهو) أكثر عرضة للضغط الأيديولوجي.
- تأثيره على إسرائيل: سيستمر الليكود في كونه مركز الثقل في أي حكومة قادمة، وسيعكس مستقبل إسرائيل السياسي صراعات الليكود الداخلية: بين الاستراتيجية الواقعية (التطبيع) والأيديولوجيا المتطرفة (الاستيطان وعنف المستوطنين). إن استمرار نتنياهو في قمع البدائل الداخلية يضمن بقاء "الليكود بدون بيبي" كخيار نظري ضعيف، ويجعل مصير إسرائيل مرهونًا بحل المشاكل القانونية والشخصية لنتنياهو.