قراءة بالأحداث ليوم الاثنين 01 ديسمبر
أولاً: دلالات الوضع الميداني في غزة
استمرار نمط “الحرب المنخفضة الكثافة”:
نسف مبانٍ سكنية شرق غزة، وغارات مركّزة شرق التفاح وخان يونس ورفح، مع تحليق مكثف للطيران وقصف مدفعي متكرر؛ كل ذلك يشير إلى استمرار عمليات هندسة ميدانية وتمهيد ناري، لا إلى نهاية قريبة للعمليات.
تركيز خاص على محيط رفح وخان يونس وغزة:
كثافة النيران جنوب وشرق خان يونس وشرق رفح تعكس إصرار الجيش على فرض “حزام أمني” أعمق جنوب القطاع، مع مواصلة ملاحقة الأنفاق والمقاتلين الذين أعلن عن قتل عشرات منهم في أنفاق رفح خلال الأيام الأخيرة.
ثمن إنساني متواصل وتآكل إضافي في بيئة النزوح:
إصابة خيام للنازحين في محيط الحي النمساوي، واستشهاد مواطن قرب “الخط الأصفر”، ودفن 15 شهيداً غير مُعرَّفين كانت جثامينهم محتجزة لدى إسرائيل؛ مؤشرات على استمرار الكلفة الإنسانية، وصعوبة التعرف على الضحايا، وترسخ صورة “حرب استنزاف على المدنيين”.
رسالة سموتريتش حول “المدينة الخضراء” في رفح:
تعطيل وزير المالية لمشروع إعادة إعمار (“المدينة الخضراء”) بذريعة “لن يمول مواطنو إسرائيل إعادة إعمار غزة من جيوبهم” يربط ملف إعادة الإعمار بصراع سياسي داخلي حول توزيع الأعباء، ويستخدم غزة كورقة ضغط في معركة ميزانية وحرب روايات مع المؤسسة الأمنية
ثانياً: الضفة الغربية – توسع “نموذج طوباس/جنين”
تحوّل طوباس ومحيطها إلى ساحة اختبار لسياسة القبضة الحديدية:
إعادة اقتحام طوباس وعقابا بعد 24 ساعة فقط من الانسحاب، فرض منع تجول شامل، تعطيل العملية التعليمية والمؤسسات، إغلاق الطرق الرئيسية والفرعية بالجرافات والسواتر الترابية؛ كل ذلك يعكس انتقال الجيش إلى إدارة أمنية تقوم على “الشلل المدني” كأداة ردع جماعي.
تصعيد في أدوات القوة العسكرية:
إنزال قوات بالمروحيات في عقابا، واقتحامات متزامنة في اليامون، السيلة الحارثية، عقابا، عقربا، نابلس… يشير إلى سعي لإظهار سيطرة كاملة وإحباط بنية مقاومة متحركة، مع توسيع استخدام وحدات النخبة والقوة الجوية داخل الضفة.
استمرار عنف المستوطنين كذراع مكمّلة:
اقتحام مستوطنين أطراف قرية المغير، والاعتداء على أهالي قرية البرج وإطلاق الأبقار في أراضي المزارعين؛ يؤكد استمرار توظيف المستوطنين كأداة لفرض وقائع ميدانية على الأرض، وبشكل يفاقم الاحتكاك الريفي-الاستيطاني ويُضعف حضور السلطة الفلسطينية.
رسالة الهدم والعقاب الفردي/الجماعي:
إخلاء المنازل المجاورة لمنزل أسير في عقابا تمهيداً لهدمه، واعتقالات جماعية (نحو 40 شاباً في بيت فجار) مع تحقيق ميداني؛ تؤكد استمرار نهج “كسر البيئة الحاضنة” عبر العقاب الجماعي، ما يزيد احتمالات الانفجار الشعبي مستقبلاً رغم الانكماش الحالي للمبادرة المسلحة المنظمة.
ثالثاً: الجبهة الشمالية (لبنان وسوريا)
تكريس معادلة الاحتكاك المُدار:
توغل إسرائيلي محدود في ريف القنيطرة، وإطلاق نار على أطراف كفر شوبا، مع خطاب لبناني رئاسي يحذّر من تحوّل لبنان إلى “خطوط تماس” إقليمية؛ كل ذلك يشير إلى استمرار “حرب الأعصاب” على الحدود دون انتقال فوري إلى حرب شاملة.
استمرار الضغط على محور المقاومة دون كسر الخطوط الحمراء:
العمليات الإسرائيلية في سوريا (القنيطرة) تواصل استهداف البنى المرتبطة بالمحور الإيراني مع إبقاء مستوى التصعيد تحت سقف يجنّب الطرفين حرباً واسعة قبل حسم ملف غزة ومسار العفو عن نتنياهو والداخل الإسرائيلي
رابعاً: الساحة السياسية الإسرائيلية – معركة العفو عن نتنياهو
1. طلب العفو – أزمة نظام وليست مجرد قضية شخصية
خطوة استثنائية ذات تبعات دستورية:
تقديم نتنياهو طلب عفو خاص قبل صدور حكم نهائي، وربطه بـ“المصلحة الوطنية والوحدة الداخلية”، يحوّل ملف محاكمته من قضية فساد فردية إلى معركة سياسية على طبيعة النظام: هل يُدار القضاء وفق مبدأ المساواة أمام القانون، أم وفق استثناءات للقيادة الحاكمة؟
تباين صريح بين الرئيس ومحيط نتنياهو:
الرئاسة تتحدث عن “طلب استثنائي” يحتاج دراسة وآراء مهنية، وتسريبات عن شروط (اعتزال سياسي، تقريب الانتخابات، وقف التشريعات القضائية، ولجنة تحقيق في 7 أكتوبر)، مقابل تمسك معسكر نتنياهو بـ“عفو دون شروط ولا اعتراف بالذنب”؛ ما يعمّق المواجهة بين رمز الدولة (الرئيس) ورئيس الحكومة.
استقطاب حاد في ردود الفعل:
الائتلاف (شاس، سموتريتش، بن غفير، كاتس، زوهار، كوهين…) يدعم العفو دون ربطه بالاعتزال، ويستخدم خطاب “الاضطهاد القضائي” وضرورة الوحدة في مواجهة “التهديدات الخارجية”.
المعارضة (لابيد، ليبرمان، غولان، آيزنكوت، بينيت) تربط أي عفو بالاعتراف بالذنب والتقاعد من الحياة السياسية، وتتهم نتنياهو بأنه أصل الانقسام وفشل 7 أكتوبر.
هذا الانقسام يكرّس صورة “نظام مزدوج” بين معسكر يرى في نتنياهو زعيماً فوق القانون، ومعسكر يعتبر أن إنقاذ الدولة يبدأ بخروجه من المسرح.
2. قانون التجنيد والحريديم – شرخ إضافي مع المؤسسة العسكرية
مفارقة سياسية–أمنية صارخة:
في اللحظة نفسها التي يطرح فيها الائتلاف قانون إعفاء الحريديم من التجنيد، توافق الحكومة هاتفياً على تمديد استدعاء ما يصل إلى 280 ألف جندي احتياط حتى نهاية يناير 2026، للمرة العاشرة منذ 7 أكتوبر؛ ما يُظهر الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للجيش وبين أولويات الحلف الديني–القومي في الائتلاف.
استخدام آلية “مجموعة واتساب حكومية” في قرار حيوي:
تمرير قرار بهذا الحجم عبر استفتاء هاتفي في مجموعة واتساب للوزراء يُظهر مستوى “التطبيع” مع حالة الطوارئ، ويُضعف الرقابة البرلمانية ويرسّخ نمط إدارة شبه شخصية/حزبية للقرارات الأمنية الكبرى.
3. أزمة القوى العاملة في الجيش – تهديد استراتيجي متدرّج
نقص بنيوي في الضباط:
وجود عجز يقدّر بنحو 1300 ضابط (ملازم–نقيب) في مختلف الوحدات، وتآكل مشروع “أوفيك” (من 800 ضابط التحقوا عام 2021 لم يبقَ سوى 500 بعد أربع سنوات)، يبيّن أن الجيش يفقد عموده القيادي الشاب.
هبوط حاد في الرغبة بالاستمرار في الخدمة:
الاستعداد لمواصلة الخدمة بين العناصر الدائمين هبط من 83% (2018) إلى 63% (2025).
بين الضباط: من 58% إلى 37% في الفترة ذاتها.
هذه الأرقام تعني أن الجيش يواجه “نزيفاً صامتاً” أخطر من خسائر الحرب المباشرة، لأنه يضرب قدرته على التعافي وإعادة البناء.
كلفة اجتماعية مباشرة:
70% من الدائمين يقرون بأن الأسرة “تضررت كثيراً” بسبب الخدمة، مع زيادة 20% في نسب الطلاق؛ ما يجعل الخدمة الطويلة أقل جاذبية ويزيد من ضغوط المجتمع على المؤسسة العسكرية لإنهاء الحروب وتقليص أعباء الاحتياط.
ضغط هائل على الاحتياط في 2026:
القرار الحكومي يعني أن كل جندي احتياط قد يقضي 60–70 يوماً في الخدمة خلال العام المقبل، مع احتمال ارتفاع المدة إذا تدهور الوضع الأمني؛ في ظل توقع أن 30% من النظاميين والاحتياط قد لا يتقدمون أصلاً للخدمة، ما يهدد بفشل فعلي في تلبية خطط الجيش العملياتية.
خامساً: استطلاعات الرأي – نتنياهو قوي حزبياً وضعيف مجتمعياً
الليكود ما زال الحزب الأكبر، لكن الكتلة المعارضة أوسع:
الليكود يحافظ على 27 مقعداً، وحزب بينيت يصعد إلى 22، في حين تبقى الأحزاب المعارضة مجتمعة متفوقة (58 مقعداً مقابل 52 لكتلة نتنياهو). هذا يعطي نتنياهو قوة داخلية في الليكود واليمين، لكنه لا يضمن له أغلبية مستقرة في انتخابات قريبة.
رأي عام منقسم حول العفو، مع ميل طفيف ضده:
في أحد الاستطلاعات: 38% يؤيدون العفو، 43% يعارضون، والباقي مترددون.
في آخر: 36% يؤيدون العفو دون اعتزال سياسي مقابل 48% يعارضونه.
بين ناخبي الائتلاف، أغلبية واسعة تؤيد العفو، بينما رفضه بين ناخبي المعارضة يقترب من 80%.
هذا يعكس أن العفو لن يكون “صفقة توافقية”، بل خطوة تعمّق الشرخ مهما كانت صيغته.
سادساً: الساحة الدولية – بين سردية “إسرائيل حائط صدّ الغرب” ومحاولات موازنة
تعزيز السردية الغربية–اليمينية الداعمة لإسرائيل:
خطاب عضو البرلمان الأوروبي اليونانية الذي يصوّر إسرائيل كـ“خط الدفاع الأخير للغرب” وأن سقوطها يعني سقوط أوروبا، يعكس استمرار حضور خطاب يربط دعم إسرائيل بهوية الغرب نفسها، ويضع دعم فلسطين في خانة “دعم حماس”
استعداد باكستان للمشاركة بقوة سلام – مع تحفظ جوهري:
إعلان وزير الخارجية الباكستاني استعداد بلاده لإرسال قوات لقوة سلام دولية في غزة “دون المشاركة في نزع سلاح حماس” يكشف عن معادلة جديدة: دول مسلمة قد تشارك في ترتيبات أمنية في غزة بشرط عدم وضعها في مواجهة المقاومة مباشرة؛ ما يقيّد نطاق أي قوة استقرار دولية مستقبلية.
تقدم بطيء في الاعتراف بالدولة الفلسطينية:
تأكيد بابا الفاتيكان في لبنان على ضرورة قيام دولة فلسطينية كجزء من الحل الوحيد للصراع يجدد موقفاً دولياً يدعم حل الدولتين، ويمنح الفلسطينيين سنداً رمزياً وأخلاقياً مهماً في لحظة يُراد فيها اختزال الصراع في “حرب على الإرهاب”
الخلاصة التحليلية
1. الميدان: في غزة والضفة، تنتقل إسرائيل أكثر فأكثر إلى نموذج “حرب استنزاف طويلة” تقوم على السيطرة الميدانية الصلبة، العقاب الجماعي، وإعادة هندسة الفضاء الجغرافي (هدم، إغلاق، أحزمة أمنية)، مع ثمن إنساني متراكم يعمّق الأزمة الإنسانية ويغذي سردية الإبادة.
2. الجيش: أزمة القوى العاملة في الجيش الإسرائيلي، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الاحتياط وتناقضات قانون التجنيد، تشير إلى بداية تآكل هيكلي في قدرة الجيش على حرب متعددة الجبهات حتى 2026، ما يفتح نقاشاً داخلياً حول حدود “مفهوم القوة” الإسرائيلي.
3. السياسة: معركة العفو عن نتنياهو تحوّل إسرائيل من دولة مشغولة بترتيب “اليوم التالي في غزة” إلى دولة غارقة في سؤال: هل نتنياهو فوق القانون أم خاضع له؟ أي صيغة عفو – مشروط أو غير مشروط – ستترك ندبة عميقة في شرعية النظام القضائي والسياسي لسنوات.
4. الجبهات الخارجية: الجبهة الشمالية تبقى في حالة احتكاك مضبوط، لكن استمرار التوغلات والرسائل المتبادلة يجعل احتمال الانزلاق إلى حرب أوسع قائماً، خاصة إذا سعى نتنياهو إلى توحيد الداخل عبر تصعيد خارجي.
5. البيئة الدولية: بين خطاب أوروبي يميني يرى في إسرائيل “حارس بوابة الغرب”، ومواقف دولية (الفاتيكان، باكستان) تدفع نحو دولة فلسطينية وقوة سلام مشروطة، تتشكل بيئة معقدة تمنح الفلسطينيين فرصاً سياسية، لكنها لا تُترجم بعد إلى ضغط حاسم يفرض وقف الحرب أو تغييراً جذرياً في قواعد اللعبة.