ترجمة الهدهد
 يديعوت أحرنوت
العقيد (احتياط) دورون هادار
 القائد السابق لوحدة إدارة الأزمات والمفاوضات، خبير في التفاوض

تتطلب المواقف الاستثنائية أساليب تفاوض متنوعة وإبداعية، ومن أجرأ هذه الأساليب ما يُعرف بـ “التثبيت الشديد"، وهو أسلوب لا يُلجأ إليه إلا من قِبل الشجعان المستعدين لمواجهة الطرف الآخر مباشرةً ودفع الثمن الباهظ.

 

في مثل هذه الحالة، إما أن يصاب الطرف الآخر بالذعر وينسحب من طاولة المفاوضات، أو يتم خلق تثبيت نفسي في مواجهة الثمن الباهظ، ومن ثم يبدأ النقاش. هذا ما فعله غادي آيزنكوت عندما قال: "سنعرف كيف نشكل حكومة حتى بـ58 مقعدًا"، وكان يقصد بذلك التعاون مع الأحزاب العربية.
أثار البيان ضجة، لكن في ظل الوضع السياسي الراهن، حيث لا يوجد نصر واضح لأي من الكتل، تفوق آيزنكوت، رئيس الأركان، على آيزنكوت السياسي، وانطلق بكل قوته.

 

قلّما نجد لحظات يتوقف فيها الفاعل عن الحديث عن المسؤولية والوحدة والسيادة، ويبدأ في إنتاج حقائق أيديولوجية وسياسية، لحظة لا يسعى فيها المرء إلى استرضاء أحد، بل يخلق واقعًا يُجبر الآخرين على التعايش معه. لقد بلغ آيزنكوت هذه اللحظة.
هذا رجلٌ قاسٍ، ولذا لم تكن تلك لحظة انهيار، بل لحظة قبولٍ لقواعد اللعبة الحقيقية، أدرك آيزنكوت، بتأخيرٍ محسوب، لا بذعر، ما أدركه نتنياهو لسنوات: في السياسة، من يحترم المحظورات أكثر من النتيجة يتخلى عن النصر مُسبقًا.

 

أولئك الذين يُصرّون على ضبط النفس يكتشفون في النهاية أن شخصًا آخر هو من يُحصي الأصوات - ويُسيطر على الوضع.


الانتقال من "الجهة الفاعلة الشرعية" إلى "محور القوة"
حتى الآن، لعب آيزنكوت الدور الكلاسيكي للفاعل المُستقر: شخصية تُرسّخ الثقة، وتُخفف من حدة القلق، وتُسهّل التواصل. هذه مرحلة مهمة، لكنها مرحلة ما قبل الصراع.
يبدو الآن أنه ينتقل إلى المرحلة التالية: ليس كوسيط بين الأطراف، بل كشخص يُعيد تعريف مركز الثقل.

 

 في عالم المفاوضات، يُطلق على هذا اسم: إعادة الصياغة. لا مزيد من الجدال حول "مع من"، بل بيان هادئ للواقع: من يريد السلطة عليه أن يمرّ من خلاله.
لذا، وقبل "العلاقات الكبرى"، يُقدم آيزنكوت على خطوة أعمق: يُغير وعي اللاعبين المحيطين به. لا يستطيع بينيت، ولا لابيد، ولا غانتس، ولا حتى الأحزاب العربية تجاهله.

 

هذه الخطوة ليست مجرد تغيير في الوعي أمام قادة الأحزاب في المعسكر، بل هي خطوة أمام الرأي العام "الإسرائيلي" تُعلن: سأفوز، ولن أتردد في استخدام جميع الوسائل، بما فيها تلك التي يستخدمها بنيامين نتنياهو، لتشكيل حكومة جديدة في إسرائيل.
آيزنكوت ليس ساذجًا. فهو يرى الأرقام، كغيره. ويعلم أن 61 مقعدا صهيونيًا هو الهدف المعلن والمشروع والملائم.

 

لكن هنا يبرز التفكير البارد للمفاوضات الصعبة: فمن يتمسك بخيار واحد فقط، يضعف. إن التعديل الذي يُدخله آيزنكوت ليس تحالفيًا، بل معرفيًا: فكتلته قادرة على الفوز حتى بـ 58 مقعد - وهذا التصريح بحد ذاته يُغير موازين القوى.
هذا ليس بيانًا أخلاقيًا، بل إشارة استراتيجية للمعارضين: ليس لكم حق النقض، وللشركاء: ليس لكم احتكار للشرعية، وللجمهور: هناك من هو مستعد لدفع ثمن تغيير الحكومة. هذا بالضبط ما فعله نتنياهو لسنوات: لم ينتظر شرعية كاملة، بل صنع وقائع ثم أجبر الجميع على التكيف.


كسر المحرمات كوسيلة للضغط
عندما يقول آيزنكوت بصوت عالٍ ما يهمس به الآخرون، وهو التعاون مع أي جهة تمكن من تغيير الحكومة، فإنه لا "يخالف الأعراف"، بل يمارس ضغطاً تفاوضياً متحكماً فيه.
في عالم النفوذ، يُطلق على هذا اسم: توسيع نطاق الاحتمالات لتقليص قدرة الطرف الآخر على الاعتراض، فبمجرد زوال المحظورات، يزول التهديد الفعلي. وبمجرد زوال الخوف من "ما سيقولونه"، تتوقف القاعدة عن كونها رهينة.
وهنا يكمن اختلاف آيزنكوت عن "الوسط المعتدل": فهو لا يستأذن ناخبيه، بل يقودهم. لا ينتظر اتفاقاً، بل يبني شرعيته تدريجياً، لا يقدم بديلاً مهذباً لنتنياهو، بل يقدم بديلاً يفهم أسلوب نتنياهو: تقسيم الخصوم، واستغلال الشركاء بذكاء، وممارسة ضغط مستمر - حتى على شعبه.
لا يكمن الاختلاف في الوسائل، بل في الأسلوب: آيزنكوت لا يصرخ، ولا يهدد، ولا يغضب. إنه يعمل وفق مبدأ عسكري كلاسيكي: هدوء البال، وتركيز الجهود، واتخاذ قرار حاسم. اعتاد الرأي العام "الإسرائيلي" على أسلوبين سياسيين: نتنياهو الذي يُثير الانقسام، ومن جهة أخرى، الوسط الذي يُقدم الاعتذارات.
آيزنكوت ليس أيًا منهم. إنه بارد، ومنهجي، ودقيق، وفي السياسة الإسرائيلية عام 2025، لم يعد مجرد وجود شخصية تفهم التفاوض والسلطة والوعي، ومستعدة لاستخدامها دون اعتذار، مجرد تعليق من الاستوديو، بل هو إعلان نوايا.