قراءة للأحداث 23 ديسمبر
شبكة الهدهد
أولاً: تقدير الموقف الميداني (استراتيجية "المنطقة العازلة" النشطة)
• استمرار "النزيف" تحت سقف وقف النار: رغم مرور أكثر من شهرين على إعلان وقف إطلاق النار (11 أكتوبر)، إلا أن الحصيلة (406 شهيداً منذ ذلك التاريخ) تشير إلى أن الميدان يشهد "حرب استنزاف موضعية". "إسرائيل" تطبق قواعد اشتباك صارمة جداً في "الخط الأصفر"، حيث يتم استهداف أي حركة بزعم التهديد، مما يحول المناطق الشرقية لخانيونس وغزة ورفح إلى مناطق قتل نشطة.
• تصفية الأصول العمرانية: عمليات النسف المنهجية في شرق خانيونس والشجاعية ليست مجرد إجراءات أمنية، بل هي عملية "هندسة جغرافية" تهدف لضمان عدم وجود أي بنية تحتية تسمح بعودة السكان أو إعادة تموضع الفصائل في المناطق الحدودية مستقبلاً.
• الانهيار الصامت للبنية التحتية: تحذيرات الصليب الأحمر والدفاع المدني من انهيار المباني جراء الأحوال الجوية تشير إلى أن "عامل الزمن" والمناخ أصبحا أسلحة إضافية تفتك بما تبقى من كرامة العيش في غزة، مما يزيد من الضغط على الحاضنة الشعبية للقبول بأي حلول سياسية قادمة.
ثانياً: تقدير الموقف السياسي (سباق بين التثبيت وإعادة الإعمار)
• دبلوماسية "مؤتمر الإعمار": تحركات إدارة ترامب لعقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار في واشنطن أو مصر الشهر المقبل تمثل "الجزرة" الاستراتيجية. الهدف هو تثبيت وقف إطلاق النار عبر خلق مصالح اقتصادية إقليمية، وتحويل ملف غزة من "صراع عسكري" إلى "مشروع إدارة دولية".
• الحصار القانوني والدبلوماسي: دعوة المقررة الأممية ألبانيز لتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، وأزمة قطع غيار F-35مع هولندا، تشيران إلى أن إسرائيل تخسر "الغطاء القانوني" الأوروبي والدولي تدريجياً، مما يضطرها للاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية (إدارة ترامب) لحمايتها من العقوبات.
• البحث عن "بدائل حماس": تداول المجلس الوزاري الإسرائيلي لفكرة الإدارة عبر "العشائر المحلية" أو "قوة دولية" يعكس مأزقاً حقيقياً؛ فإسرائيل تريد طرفاً يدير غزة مدنياً دون أن يمتلك سيادة سياسية أو قدرة عسكرية، وهو نموذج يواجه رفضاً شعبياً وإقليمياً واسعاً.
ثالثاً: الخلاصة التحليلية (رؤية مستقبلية)
يمكن تلخيص المشهد الحالي بأنه مرحلة "فرض الوقائع قبل يناير":
1. استغلال المرحلة الانتقالية: "إسرائيل" تستغل الفترة الحالية لتثبيت أكبر قدر من "الوقائع الجغرافية" (تدمير المباني، توسيع المناطق العازلة) قبل بدء المرحلة الثانية من الاتفاق في يناير، لضمان أن أي ترتيبات دولية ستتم وفق "الخرائط الإسرائيلية الجديدة" لا القديمة.
2. خلق "فجوة الثقة" بين الحاضنة والمقاومة: عبر استمرار القتل الموضعي ومنع المساعدات الإغاثية المستدامة، تراهن "إسرائيل" على تحويل "وقف النار" إلى حالة من الإحباط الشعبي الذي قد يؤدي إلى ضغط داخلي على الفصائل لتقديم تنازلات في ملف السلاح أو الإدارة المدنية.
3. المقايضة الكبرى: إدارة ترامب تبدو مستعدة لمنح إسرائيل "الأمن" (عبر المناطق العازلة) مقابل "إعادة الإعمار" (عبر المؤتمرات الدولية). هذه المقايضة تهدف لإنهاء الصراع عسكرياً مع الإبقاء على غزة تحت "وصاية دولية-إقليمية" مقنعة.
4. خطر الانفجار الخارجي: الإضرابات عن الطعام في السجون البريطانية (منظمة فلسطين أكشن) والاحتجاجات الدولية تشير إلى أن ملف غزة بدأ يتحول إلى وقود لـ "تطرف مضاد" دولي، مما قد يحرج الحكومات الغربية ويدفعها لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد "إسرائيل" إذا استمرت سياسة "القتل تحت وقف النار".
النتيجة النهائية: "إسرائيل" تنجح ميدانياً في "قضم" أجزاء من غزة وتحويلها لمناطق غير مأهولة، لكنها تواجه فشلاً ذريعاً في إيجاد بديل سياسي شرعي، مما يجعل "المرحلة الثانية" في يناير محفوفة بمخاطر الانهيار إذا لم يتم التوصل لصيغة توازن بين الأمن الإسرائيلي والسيادة الفلسطينية الدنيا.