لماذا لا نقصف منشآت النفط في إيران؟
نيتسان سدان-كلكليست
أحد الأسئلة التي أسألها منذ اندلاع الحرب هو لماذا لا نقصف منشآت النفط في إيران؛ فهي دولة عدو وهذا هو مصدر دخلها الرئيسي، وبدون نفط لا مال، ولا صواريخ، ولا عدو.
اليوم سنفحص الموضوع بعمق ونفهم كيف تحول قصف منشآت النفط من أكثر الأمور طبيعية التي تفعلها الدول في الحرب، إلى نوع من تابو عالمي يبتعد عنه الجميع كما لو كان مرضا، وماذا كان سيحدث لو قررت "إسرائيل" رغم ذلك إشعال منشآت النفط في إيران. ما الأمر؟ ما أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا؟
في مجال النفط، هناك عدد هائل من نقاط الضعف، ولا حاجة إلى سلاح خاص لتعطيل العملية برمتها، منظومات الحفر القائمة فوق حقل النفط نفسه تكون هشة في منطقة منشأة التجميع، التي تسحب الذهب الأسود من آبار الحفر وتعده للانتقال إلى المرحلة التالية في العملية: مصانع المعالجة. هناك تفصل المادة إلى غاز طبيعي، ومياه، ومخلفات مثل الرمل والجسيمات غير المرغوب فيها ما يجعل هذه المصانع شديدة الحساسية أيضا: فاستهدافها سيعطل فورا نشاط الحقل بالكامل.
لكن، على الرغم من هذه الهشاشة، فإن استهداف منشآت النفط يعد، من منظور تاريخي، أمرا حديثا نسبيا، حيلة من حيل القرن العشرين. فحتى نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن النفط بنية تحتية حيوية للحروب؛ إذ كانت الجيوش تعتمد بدرجة أكبر بكثير على الفحم، وخطوط السكك الحديدية، والخيول.
الحرب العالمية الأولى غيرت هذا الواقع: المصانع، والسفن، والشاحنات، والطائرات جميعها أصبحت تعتمد على الوقود، بحيث إن الحرب الممكنة لا يمكنها التحرك من دونه.
في سبعينيات القرن الماضي حدث أمر، بسببه لم نعد نرى تقريبا قصف منشآت النفط على الأقل ليس بالشكل الذي يعد شرعيا أو ممارسة معقولة في وضع جنوني كالحرب، ما الذي حدث؟ العولمة: فقد أدركت دول العالم أن النفط ليس موردا لدولة واحدة، بل للجميع، وأن أي ضرر بقدرة إنتاج النفط سيجعل الجميع يدفع الثمن، وبفوائد مضاعفة.
ومنذ ذلك الحين، لا تشجع المنظومة العالمية تدمير منشآت إنتاج النفط، مهما كان السبب. خذوا مثلا حرب إيران–العراق في الثمانينيات، حين قرر لاعبان يعدان من الأكثر تهورا على الكوكب تدمير بعضهما بأي ثمن تقريبا، لأن حتى المتعصبين الدينيين والقوميين المتطرفين يحتاجون إلى الأكل، وكلا البلدين يعتمدان على اقتصاد النفط، فماذا فعلا؟ هاجما منشآت الإنتاج بنطاقات محدودة، وركزا أساسا على تدمير ناقلات النفط في الخليج.
إيران ذهبت أبعد من ذلك، فقامت بزرع ألغام في مضيق هرمز، ما عطل حركة ناقلات النفط بشكل دراماتيكي، وعند هذه النقطة نفد صبر الولايات المتحدة، فدخلت على الخط: البحرية الأميركية أغرقت ما يقارب نصف أقوى السفن الإيرانية، وهددت بأنها ستغرق النصف الآخر بسهولة إذا لم يعد النفط إلى التدفق، ومنذ ذلك الحين، ولسنوات طويلة، اعتبرت مهاجمة النفط خطوة يائسة واستفزازية، لا ممارسة تهدف إلى حسم الصراع مع عدو، على سبيل المثال، صدام حسين أحرق حقول النفط في الكويت.
هذا تغير في أبريل 2022: روسيا دمرت مصافي نفط أوكرانية في أوديسا وكريمنشوك، وهاجمت منذ ذلك الحين بنى الطاقة التحتية بشكل متواصل. سارع الغرب إلى تحذير زيلينسكي: رد واقصف ما تريد، لكن لا تلمس النفط الروسي، ومع ذلك، بدأت أوكرانيا أيضا بمهاجمة مصافي النفط وشحناته، قفزت أسعار البراميل، ورغم أنها استقرت لاحقا، فإن الحرب لا تزال تؤثر؛ فقبل أيام فقط اشتكت كازاخستان من الأضرار التي لحقت بها جراء ضربة أوكرانية استهدفت ثلاث ناقلات نفط في البحر الأسود.
حساسية سوق النفط هي، في الوقت الراهن، السلاح الأقوى والأكثر تأثيرا بيد إيران، فعلى مدى سنوات طورت أدوات ووسائل للإضرار بسلسلة النفط في الخليج، لتملك ما تهدد به جيرانها والغرب.
إيران تستطيع، نظريا، إغلاق مضيق هرمز بسرعة نسبية؛ فهي تملك قدرات على زرع الألغام، وأسطولا كبيرا من الزوارق السريعة القادرة على تعطيل ناقلات النفط بالصواريخ والقذائف، كما يمكن مهاجمة السفن بصواريخ ساحل–بحر يصل مداها إلى أكثر من مئتي كيلومتر، وبطائرات مسيرة انتحارية، وربما حتى بمروحيات قتالية.
لكن التهديد الأكبر على الإطلاق هو استهداف منشآت النفط لدى الآخرين: فإيران تصدر نحو 4% من النفط العالمي، لكن جيرانها في الخليج مسؤولون عن حصة أكبر بكثير من السوق فماذا لو تعرضت حقول النفط والمصافي ومخازن الذهب الأسود في السعودية والإمارات وقطر وغيرها لهجوم؟ العالم بأسره سيدخل في أزمة اقتصادية.
الإيرانيون بنوا مخزونا كبيرا من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وهي صواريخ لا تستطيع أصلا الوصول إلى "إسرائيل، "لكنها تغطي جميع منشآت النفط الكبرى في الخليج. وانتبهوا: خامنئي لا يحتاج إلى القصف فعليا — يكفي أن يلوح بالتهديد أكثر قليلا من المعتاد، حتى تغير ألوان وجه المستثمرين من شدة الخوف، حساسية سوق النفط تعود مرة أخرى لتلعب لصالح العدو.
اليوم يتفق معظم المحللين على أن المساس بمنشآت النفط الإيرانية سيكون شرارة محتملة لتفعيل خطط إغلاق هرمز أو قصف منشآت نفطية مماثلة لدى الآخرين، لكن ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟ لماذا لا نفعل نحن ذلك، ونري الجميع مجددا ما قيمة تهديدات الفرس؟
دعونا ننسج سيناريو خياليا تماما: لنفترض أننا، رغم التأثير الدولي المحتمل، قصفنا مكوّنا نفطيا في إيران وخفّضنا قدرتها على إنتاج النفط بنسبة 10% — على أن يستغرق إصلاح الضرر نحو نصف عام.
إذا كان سعر النفط الخام قبل الضربة يدور حول 60 دولارا للبرميل، فسيقـفز بسهولة إلى 90 أو حتى 100 دولار، ومتى سينخفض؟ من يدري؛ تستطيع إيران أن تلوح بأنها ستغلق الخليج، لكنها لا تنفذ فورا، بهدف خلق ضغط وأضرار مالية حقيقية من أدنى العالم إلى أقصاه.
ولنحسن الظن ونفترض أن إيران لم تغلق مضيق هرمز ولم تقصف السعوديين: قد يبقى سعر البرميل فوق 75 دولارا إلى أن تصلح البنية التحتية؛ فالمعروض من النفط أقل، والطلب لم ينخفض. وكما ذكر، المستثمرون كانوا قد أصيبوا بالذعر، كعادتهم.
كيف سينعكس كل ذلك عليكم شخصيا — أنتم الإسرائيليين الذين يعيشون في دولة تستورد النفط؟ تكاليف الشحن الدولي ستقفز، أسعار الوقود سترتفع، أسعار المواد الخام للمنتجات ستقفز، ومن الأعلى سيرى كيف يمحو الاقتصاد "الإسرائيلي" مليارات الشواكل؛ جميعنا سنشعر بذلك مباشرة في جيوبنا، ولا تنسوا أن احتياطات النفط لدينا هنا مخصصة لجيش العدو الإسرائيلي على الأقل إلى أن يخترع دبابة تعمل على الشتائم وطائرة F-16 تطير على الابتسامات.
وهذا هو السبب المركزي الذي جعلنا حتى الآن لا نضرب قدرات إنتاج النفط لدى العدو، رغم أن النفط هو الشيء الأهم بالنسبة له: لأنه أمر يمكن أن يعود بسهولة ليرتد علينا، وبالطبع، لم نتحدث بعد عما سيقوله العم في أمريكا، فالنفظ هو السبب الذي يجعل الشرق الأوسط مهما بالنسبة له أصلا — ولن ترغبوا بإغضاب رعاته، عمالقة النفط المحليين.