قراءة في مشهد متفجر
شبكة الهدهد
بينما يلف الغبار الميداني أزقة غزة والضفة، وتتصاعد أدخنة التصعيد الإقليمي في سماء لبنان وسوريا، تعيش "إسرائيل" حالة من "السيولة السياسية والأمنية" غير المسبوقة. إن قراءة أحداث الحادي والعشرين من يناير 2026 تشير بوضوح إلى أننا لسنا أمام مجرد "يوم آخر" من الصراع، بل أمام مفترق طرق استراتيجي يعيد تعريف الجبهات الداخلية والخارجية على حد سواء.
غزة: 100 يوم من "السلم الدامي" وفشل الآليات الدولية
بعد مرور مئة يوم على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يبرز تساؤل جوهري: أي سلام هذا الذي يحصد أرواح 479 شهيداً في 99 يوماً فقط؟. المعطيات الميدانية تؤكد أن الاحتلال استبدل الحرب الشاملة بـ "عمليات جراحية" وتضييق منهجي؛ فإسرائيل لا تزال تتعنت في إدخال المواد "ذات الاستخدام المزدوج"، مما أدى لنشوء سوق سوداء يدفع ثمنها المواطن الغزي.
الأخطر من ذلك هو ما كشفته تقارير "بتسيلم" عن تحول السجون الإسرائيلية إلى مسالخ بشرية يمارس فيها "التعذيب المنهجي" والاعتداءات الجنسية، وهو ما يضع المنظومة الأخلاقية والقانونية الدولية على المحك، خاصة مع تلويح دول أوروبية بالانسحاب من "مركز التنسيق المدني العسكري" بعد فشله الذريع في تحقيق أي تغيير سياسي أو إنساني ملموس.
المؤسسة العسكرية: صرخة "زامير" وتحذيرات الانهيار
داخلياً، يواجه جيش العدو الإسرائيلي "أزمة وجودية" تتعلق بالقوى البشرية. رسالة رئيس الأركان إيال زامير "شديدة اللهجة" لنتنياهو وكاتس ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ناقوس خطر يحذر من "ضرر جسيم في بناء القوة" وفشل الكفاءة العملياتية للعام القادم نتيجة المماطلة في قانون التجنيد وتمديد الخدمة.
هذا العجز العسكري يتزامن مع "تآكل سياسي" حاد؛ فالائتلاف الحاكم يترنح عند 51 مقعداً في استطلاعات الرأي، بينما تترصد المعارضة بقيادة بينيت ولابيد وآيزنكوت عبر مقترح "القائمة الثلاثية" التي تهدف لحصد 40 مقعداً وتجاوز الليكود.
المقامرة الإقليمية: ترامب، إيران، و"قطر غيت"
على الصعيد الإقليمي، يبدو أن نتنياهو يضع كل بيضه في سلة "دونالد ترامب" و"مجلس السلام" الجديد. وبينما يرسل هرتسوغ لتكريم ترامب في دافوس (بسبب أوامر التوقيف التي تلاحقه)، يراقب الشارع "الإسرائيلي" بقلق تحشيد القوات الأمريكية في المنطقة.
الاستطلاعات تشير إلى أن 66% من الإسرائيليين يؤيدون هجوماً أمريكياً على إيران، لكن ذات النسبة (66%) تخشى بشدة من رد الفعل الإيراني. هذا "الرعب الوجودي" يتغذى أيضاً على فضائح داخلية مثل قضية "قطر غيت" التي يتهم فيها قادة أمنيون سابقون مكتب نتنياهو بضم "ممولين لـ 7 أكتوبر"، وفضيحة برامج التجسس التي استخدمتها الشرطة بشكل غير قانوني 13 ألف مرة.
الخلاصة التحليلية
إسرائيل في مطلع 2026 تبدو كمن يمشي على حبل مشدود؛ فهي تحاول تسويق "مجلس سلام" إقليمي بينما تمارس سياسة "الأرض المحروقة" في الضفة والقدس وغزة. التناقض بين طموحات نتنياهو بتحويل "إسرائيل" إلى "قوة عالمية" وبين واقع جيشه المستنزف وقضائه المحاصر وفضائحه الأمنية، يشير إلى أن الانفجار القادم قد لا يكون ميدانياً فحسب، بل قد يكون زلزالاً سياسياً يعصف بأسس "الليكود" واليمين الحاكم.
إنها لحظة الحقيقة؛ فإما الذهاب نحو تسوية حقيقية تلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية وتنهي الكارثة الإنسانية، أو الاستمرار في الهروب إلى الأمام عبر حروب إقليمية قد لا تملك "إسرائيل" "النفس الطويل" لخوضها.