شبكة الهدهد
ألوف بن- هآرتس 


يمكن تخمين سبب إيفاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزيرَ خارجيته جدعون ساعر لتمثيل إسرائيل في “مجلس السلام” الذي سينعقد بعد غدٍ في واشنطن. نتنياهو سيستمتع بمشاهدة خصمه السياسي السابق، الذي تحوّل إلى خادمه، وهو يتلوّى محاولًا التهرّب من صورة مشتركة مع نظرائه من قطر وتركيا.

فقد أدرك نتنياهو أنه لو سافر بنفسه، لكانت صورته مع راعيتَي حماس كارثية على حملته الانتخابية. لذلك يفضّل أن يُحرج ساعر نفسه عشية الانتخابات التمهيدية في الليكود.

 

لكن إلى جانب هذه المناورة السياسية، لدى نتنياهو مصلحة أهم في البقاء بعيدًا عن مجلس السلام: طمس النقاش حول انسحاب الجيش  الإسرائيلي من قطاع غزة. ففي الخطاب الداخلي الإسرائيلي ترسّخت قناعة مفادها أن “حماس وقطر وتركيا” تسيطر على غزة.

هذا الكلام مريح لمؤيدي الحكومة الذين يلوّحون باستئناف القتال، ومريح أيضًا لمعارضي النظام الذين يصوّرون نتنياهو كخاسر. الجميع يتجاهل الواقع، وهو أن إسرائيل تسيطر على معظم مساحة القطاع (58%) ولا تُظهر أي مؤشرات على نية الخروج منه.


خطة النقاط العشرين التي طرحها دونالد ترامب، والتي أنهت الحرب في غزة، تنص في البند 16 على أن إسرائيل “لن تحتل القطاع ولن تضمّه”، وأنها ستسلّم المنطقة لقوة دولية وفق شروط تُحدَّد لاحقًا، باستثناء “طوق أمني” يبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.


لا يوجد جدول زمني ولا محطات واضحة للانسحاب، سوى طموح عام بأن لا تعود غزة تهديدًا لإسرائيل أو لمصر أو لمواطنيهما. عمليًا، هذه الصياغة الضبابية لا تُلزم إسرائيل بشيء، على الأقل إلى أن تتغير الظروف وتصبح غزة أشبه بفنلندا أو أندورا.


من الصعب تصديق أن إسرائيل ستُبقي منطقة واسعة وفارغة تحت سيطرتها إلى أن تتحول حماس إلى قوة ودّية، غير مسلحة ومحبة للسلام. الأرجح أن الافتراض الواقعي هو أنه، كما في الضفة الغربية، ستُقام أيضًا في غزة مستوطنات إسرائيلية.

فمشروع الاستيطان في الضفة يتوسع منذ عام 1967، رغم المعارضة الدولية الكاسحة، مستفيدًا من فرص داخلية وخارجية، ورغم أن المنطقة مأهولة بملايين الفلسطينيين.


الحرب في غزة خلقت ظروفًا أسهل بكثير للاستيطان اليهودي: لا حاجة لإرسال مجموعات عنيفة من البؤر الاستيطانية لطرد التجمعات الفلسطينية كما يحدث في الضفة. الغزيون أُجبروا أصلًا على النزوح، بيوتهم ومدنهم دُمّرت، الأرض “جاهزة” وهناك منفذ إلى البحر.

أما التبرير الداخلي فبسيط: إلغاء الانفصال، حماية مستوطنات غلاف غزة التي هوجمت في 7 أكتوبر، وفرض “عقاب نهائي” على الفلسطينيين.


المجتمع الدولي، وعلى رأسه ترامب، يعارض تهويد غزة، ولذلك يعتمد نتنياهو سياسة الغموض والحذر. وزير الجيش إسرائيل “صاحب الفم الكبير” كاتس صرّح قبل نحو شهرين بأن إسرائيل “لن تخرج أبدًا من كامل قطاع غزة”، وأنها ستقيم نوى استيطان في شماله بدل المستوطنات التي أُخليت عام 2005.

لاحقًا خفف كاتس من لهجته — على ما يبدو بأوامر من الأعلى — موضحًا أن هذه النوى ستقام “لأغراض أمنية فقط”، وأن إسرائيل لا تنوي إقامة مستوطنات في غزة.

كاتس يعرف بالطبع أن مشروع الاستيطان في الأراضي المحتلة بدأ بالطريقة نفسها تمامًا: بإقامة قواعد استيطانية في الجولان، وغور الأردن، وقطاع غزة، وسيناء “لأسباب أمنية”.


وهكذا يُرسل ساعر إلى واشنطن لكسب الوقت في أحاديث فارغة عن تركيبة القوة الدولية، ورفع مطالب تفكيك حماس. المهم ألا يُسأل أحد: متى سينسحب الجيش من غزة؟ وألا تنشأ شبهات بأن إسرائيل تنوي البقاء هناك.

ببساطة، ستنتظر إسرائيل إلى أن يفقد ترامب اهتمامه بغزة، أو ينشغل بقضايا أخرى، أو يتعب فحسب — ثم تفرض وقائع على الأرض وتستأنف الاستيطان، تمامًا كما تفعل منذ 59 عامًا في الضفة.