شبكة الهدهد
جاكي خوري - هآرتس


بينما كان قطاع غزة يستعد لتناول وجبة إفطار في ثاني أيام رمضان، عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية طموحة في واشنطن أمس (الخميس): إنشاء مجلس سلام، وتشكيل قوة شرطة فلسطينية جديدة، ونزع سلاح حماس، وخطة إعادة إعمار متعددة السنوات

وربط القطاع بالمنطقة عبر مشروع "بوابة إبراهيم". وعُرضت على الشاشات شرائح ومقاطع فيديو مُصممة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومخططات لمدن ذكية، وموانئ متطورة، وآليات رقابة دولية. إلا أن هناك فجوة شاسعة بين الصورة الرقمية والواقع في غزة.

في قطاع غزة، يبدو أن أحداً لم يتوقف عن الاستعدادات للإفطار أمام الشاشة. لم يكن هناك أي شعور بنقطة تحول تاريخية. استمرت الحياة، إن صحّ التعبير، وسط الخراب والندرة وعدم اليقين. هذه الفجوة، بين العرض المُنمّق والمعاناة اليومية للبقاء، هي جوهر المشكلة.

على الورق، يوجد مجلس، وإدارة، ولجنة من التكنوقراط، والتزامات مالية بمليارات الدولارات. لكن على أرض الواقع، لا تزال الأسئلة الجوهرية بلا إجابات. 


السؤال الأول ذو طابع سياسي إسرائيلي: هل ستتبنى الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، مثل هذه الخطوة؟ لقد أوضح نتنياهو أنه لن يكون هناك إعادة إعمار دون نزع السلاح النووي، لكنه لم يلتزم بالانسحاب أو بوضع إطار سياسي أوسع.

يقتنع كثيرون في غزة بأنه سيُفشل أي خطة ذات أهمية سياسية، أو على الأقل سيُماطل حتى يحين وقت أنسب سياسياً.

حتى لو تغيرت القيادة الإسرائيلية، فليس من الواضح ما إذا كان سيكون هناك إجماع واسع لدعم مثل هذه الخطوة، التي تنطوي على تنازلات استراتيجية وتغيير جذري في الواقع الأمني.


أما السؤال الثاني فيتعلق بالسيادة والحكم: من سيحكم غزة غدًا؟ إسرائيل؟ حماس؟ اللجنة التكنوقراطية؟ وإذا كانت اللجنة هي من ستحكمها، فلا يزال من غير المعروف متى ستبدأ عملها وما هي صلاحياتها.

إن تجنيد بضعة آلاف من ضباط الشرطة الفلسطينيين وتدريبهم في مصر خطوة رمزية، ولكن دون قرار واضح بشأن التسلسل القيادي لقوة الاستقرار الدولية أو ولايتها، فإن هذا ليس سوى حل جزئي. هذه ليست أسئلة فنية، بل هي جوهر جدوى الخطة برمتها.


إن قضية الأسلحة في قطاع غزة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد شعار "تسريح حماس". ففي غزة ما بعد الحرب، لا تقتصر الأسلحة الصغيرة على حماس فحسب، بل تمتد لتشمل الميليشيات والعائلات والعصابات.

وقد أصبح سوق الأسلحة، الذي كان يعمل سابقاً على هامش النظام وتحت وطأة التهديد بالقوة، أكثر انفتاحاً وأغلى ثمناً، نتيجة لانهيار النظام العام والقلق الشخصي العميق. ويتطلب نزع السلاح الحقيقي إعادة بناء ثقة الجمهور وآليات الأمن المدني، وليس مجرد تفكيك ترسانات منظمة واحدة.


قبل كل شيء، يبرز سؤال الأفق السياسي. تتحدث الخطة المطروحة بشكل أساسي بلغة "الإخلاء وإعادة الإعمار": البنية التحتية، والمناطق الصناعية، والروابط التجارية.

ولكن بدون إطار سياسي واضح للعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، ووضع السلطة الفلسطينية، والانتخابات، والشرعية الشعبية، سيكون من الصعب تصور كيف ستترجم الاستثمارات إلى استقرار. فالسلطة نفسها تعاني من أزمة ثقة عميقة، ويُنظر إلى الجهاز السياسي الفلسطيني برمته على أنه ضعيف ومهدد.

 

كما أن الأرقام تتطلب مراعاة التناسب. قد تبدو التعهدات بجمع خمسة أو ستة أو حتى عشرة مليارات دولار مبالغًا فيها، لكن الاقتصاديين يقدرون أن إعادة الإعمار الكاملة ستكلف عشرات المليارات.

ولن تُبنى البنية التحتية للمياه والكهرباء، والإسكان، والمستشفيات، وأنظمة التعليم والتوظيف على أرض الواقع باستخدام فيديوهات الذكاء الاصطناعي. فهذه تتطلب عمليات طويلة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر.


وأخيرًا، هناك البُعد المعرفي. فقد وعدت عروض جاريد كوشنر ومستشارين آخرين سابقًا بـ"شرق أوسط جديد"، مكتمل بناطحات السحاب والممرات الاقتصادية. لكن في غزة عام 2026، يكمن القلق في أمور أقل أهمية: ليس مدينة ذكية، بل وجبة إفطار ساخنة؛

وليس ميناءً مستقبليًا، بل الأمن الشخصي صباح الغد. حتى وإن كانت النوايا في واشنطن جادة، فإن التحدي الحقيقي ليس بعرض بصري، بل سياسي واجتماعي.

فبدون إجابة إيجابية على أسئلة السيادة والأمن والأفق السياسي، ستبقى الفجوة بين العروض التقديمية والواقع عميقة، وربما تتسع.