عقب أخيل قدرات الكيان المؤقت العسكرية والإدارية (حديث في الكليات)
من مسلمات العمل العسكري التي لا تحتاج إلى أدلة أو براهين لإثبات صدقها وصديقتها؛ أن المناورة الجوية، أو ما يعرف بالبعد الرابع للمناورة القتالية، أنها لا تحسم قتالاً، ولا تغرس أعلاماً؛ وإن كانت تسحق، وتدمر، وتمهد لاحتلال أو سيطرة أو تأمين، فضلاً عما تقدمه النار الجوية من دعم وإسناد وتعزيز، لا يمكن أن تستغني عنها باقي صنوف القوات المسلحة؛ البرية منها والبحرية. والمراقب لمسار بناء القدرات العسكرية للكيان المؤقت، يرى أنه يمتلك من وسائط النار الجوية؛ المأهولة والمسيرة، ما يمكّنه من تحقيق تفوق جوي ذا مصداقية على مسارح، ومناطق عمليات له فيها أهداف، أو يواجه إنطلاقاً منها تهديدات. وقد شاهدنا هذا في السنتين الأخيرتين، بعد معركة "طوفان الأقصى"، حيث حقق العدو سيطرة شبه تامة على سماء مسرح عمليات غزة ولبنان، كما تمكن من الوصول إلى سماء مسرح عمليات اليمن وطهران، فضلاً عن سوريا التي دمر كل قدراتها الجوية والبحرية والبرية، محققاً بهيمنته تلك جملة من الأهداف، ومسيطراً على مصادر تهديد وخطر تحويها هذه الدول والجغرافيات. وفي الوقت نفسه فإن الكيان المؤقت يواجه مشكلة غير قابلة للحل متعلقة في قدرات مناورته البرية، خاصة القدرات البشرية منها ـــــ بالمناسبة ما زال العدو لم يتغلب، وبشكل جذري، على المشاكل التي خلص لها تقرير فينوغراد 2006 والمرتبطة بـــ: التخطيط المسبق، وحدة القيادة والسيطرة، الشؤون اللوجستية، المعركة المشتركة، ملاحقة المهمة والإنضباط العملياتي ــــ وهذا أمرٌ مشاهد وعليه من الأدلة والبراهين ما يصعب عده وحصره. فقد واجهت هذه القوات مشاكل حقيقية في كل مناورتها البرية التي خاضتها في كل ساحات عملها، بدء من غزة فلبنان، وحتى في سوريا مؤخراً؛ حيث وقعت قواته المتوغلة في قرية "بيت جن" في تشرين الثاني 2025، وقعت في كمين نصبه لها بعض شبان تلك القرية، مما أدى إلى وقوع ستة إصابات، بعضها حرجة، فضلاً عن إجبار القوة المقتحمة على ترك أحد آلياتها خلفها، ليتدخل بعد ذلك سلاح الجو لتدميرها خوفاً من وقوعها في يد أهالي القرية وساكنيها. وفي معركة "أولي البأس" في لبنان عام 2024، والتي استمرت 66 يوماً، ومع كل التفوق الجوي الذي ملكه العدو في هذه الحرب، ومع كل نار الإسناد المدفعي التي صُبت على محاور القتال وبقع الدفاع اللبنانية، إلّا أنه لم يحقق على المستوى البري خرقاً حقيقياً، حيث بقي يقاتل على الحافة الأمامية لمنطقة القتال، وأقصى عمق خرق حققه في الأراضي اللبنانية، لم يتجاوز الثلاثة كليومترات، فضلاً عن أنه لم يُثّبت أي قوة ذات مصداقية، ولمدة طويلة في عمق الجبهة. أما عن جبهة غزة، فيكفي للتدليل على عجز سلاح مشاة العدو عن مواجهة المقاومين في معاركه البرية، ما كنا نراه ونشاهده من استخدام العدو للروبوتات المفخخة لفتح ثغرات، و(تطهر) معابر وصول، وعندما كان يحاول أن يصول أو يناور بقدرات بشرية في مناطق العمليات والمسؤولية، كان صراخ هذه القوات يصل إلى (مالطا) مما كانت تذوقه من بأس المقاومين، ونار المجاهدين.
هذا الموقف ــ قدرات جوية طاغية، وقدرات بشرية خائرة ــ يحملنا على التفكير في كيفية الاستفادة من هذا الأمر لصالح المقاومة، بحيث تتجنب بأس نار العدو الجوية، وتحطم قدراته البشرية، في مناورة برية، ضمن معركة غير متكافئة الإمكانات والقدرات، الأمر الذي ستحاول هذه الورقة الإجابة عليه، وبشكل مختصر، وبعيداً عن الدخول في تفاصيل فنية وتعبوية. لكن قبل ذلك، وحتى يسهل (هضم) الموضوع على غير أصحاب الاختصاص والفن والكار، دعونا أولاً نشير إلى مجموعة من النقاط التي تتوقف عليها كفاءة عناصر المشاة في سلاح البر، والتي يمكن أن نختصر أهمها بما يلي:
- الكفاءات والمهارات الفردية.
- فاعلية وسلامة وقدرة الأسلحة الفردية والمتوسطة التي يستخدمها المقاتل.
- نجاعة وبأس أسلحة الإسناد والغطاء الناري المصاحب للمناورة البرية.
- كفاءة وفاعلية منظومة C4ISR أو ما يعبر عنها اختصاراً بمنظومة القيادة والسيطرة.
- جهاز إسناد إداري، يضمن سلاسة عمليات الإمداد والإدامة للقوات، فضلاً عن إخلاءها عند الحاجة.
هنا تجدر الإشارة إلى أننا لم نتحدث عن الشق المعنوي، أو ما يعبر عنه بالروح المعنوية للمقاتلين، لم نفصل فيما تتركه من أثر ــ سلبي أو إيجابي ـــ على كفاءة الجنود، حيث تشكل المعنويات عاملاً مؤثراً رئيسياً ومهماً في رفع كفاءة وفاعلية المقاتل، وفي هذا تفصيل يطول، حيث تتداخل عناصر ومُركبات من قبيل: القيادة، ورفقة السلاح، والانضباط، والتحفيز، في رفع الروح المعنوية للمقاتل، أو الحط منها.
كما قلنا سابقاً، ونؤكد عليه الآن، من أن "عقب أخيل" العدو، ومكمن ضرره الرئيسي الذي لا يمكن ستره أو تقويته، فضلاً عما يوفره للمقاومة من فرص يمكن استثمارها في مسار مواجهة هذا العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، "عقب أخيل" هذا هو: قدرات العدو البشرية المناورة في الجبهات (الأسنان)، أو تلك المشاركة في إسندها من قوات إسناد نارية وإدارية تعمل في خدمتها (الذيل)، مضافاً إلى هذه القدرات الخشنة؛ الاحتياط البشري القابع في مؤخرة هذه القوات، أو ما يعبر عنه بالجبهة الداخلية للعدو، بكل ما فيها ومن فيها من عناصر بشرية عاملة أو داعمة أو مشغلة للجهاز البيروقراطي والإداري والاقتصادي للكيان المؤقت.
الموقف الموصوف سابقاً يحملناعلى التفكير في تصميم فكرة مناورة قائمة على تصور عمل، يفترض جر العدو إلى معركة مشاة برية، قائمة على تدبير قتالي يقول: بضرورة الاقتراب من العدو، والاحتكاك به، والاشتباك معه ضمن مسافات أمن أسلحة إسناده، وغطاءه الناري؛ البري والجوي والبحري، بحيث يتعذر عليه تشغيل هذه القدرات ــ قدرات الاسناد والتغطية ــ، الأمر الذي يوفر مستوى عال من أمن وحرية مناورة قدرات المقاومة العاملة في منطقة المسؤولية أو العمليات. وفي هذا تفصيل يطول شرحه، وتتعدد طرقه، وليس هنا مكان بسطه.
إلا أن هذا الإجراء ــ الاشتباك مع العدو في مناورة برية قريبة ــ لا يفي بالغرض منفرداً، لذلك، ومن أجل نجاح هذه المناورة، وتحقيق تفوق تعبوي ومعنوي على العدو، لا بد من أن يصاحب هذا الإجراء مجموعة من الإجراءات، وأن يُلتزم عند تنفيذه بسلسلة من الضوابط والمحددات، والتي من أهمها ما يلي:
- تفعيل وتشغيل إجراءات وضوابط وتدابير الدفاع السلبي.
- تأمين الحد الأدنى من قدرات الدفاع النشط، حماية لأصول بشرية ومادية يجب تجنيبها نار العدو.
- إمتلاك قدرات نارية قادرة على التأثير على مراكز ثقل الاحتياط البشري للعدو في جبهته الداخلية.
- ضرب خطوط إمداد العدو، وإغلاق ممرات إخلاءه وانسحابه إلى الخلف.
- تجنب استفزاز العدو، واستدراجه لنا للقتال في ظروف ومواقف تعبوية تخدم تحقيق أهدافه العملياتية.
- (خلق) ظروف أمنية داخل الكيان المؤقت تجبره على تخصيص و/أو تجميد قدرات قتالية وأمنية للسيطرة على مواقف وإضطرابات تسود جبهته الداخلية.
نختم هذه الورقة، لنقول أن ما جاء فيها لا يعدو كونه رؤوس أقلام، ومحفزات تفكير، يجب أن تُخضع للتدقيق، ليُزاد عليها أو ينقص منها، وصولاً إلى حلول ناجعة، تمكّن المقاومة من خوض معاركها مع العدو، وفقاً للمناسب لها؛ زماناً ومكاناً وقدرات. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
عبد الله أمين
24 02 2026