ترجمة الهدهد

مقال رأي

في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة" جاهدةً لمحو الخط الأخضر، وتحاول في الوقت نفسه مقارنة واقع الضفة الغربية بما كان عليه الحال خارج حدود عام 1967 من خلال زيادة دمج البنية التحتية والتشريعات والتوسع الاستيطاني، تتحول المنطقة إلى "أرض سابقة" في أعقاب أعمال العنف غير المسبوقة التي ارتكبها اليهود ضد الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، تُرسخ صورة الضفة الغربية كمنطقة ذات وجود ورؤية وقوانين وقيم مختلفة عن بقية "إسرائيل"، وفي نظر الكثيرين في "البلاد"، تُصوَّر أيضاً ككيان قطاعي ذي طابع أيديولوجي مميز.

لإخفاء حقيقة أن الدافع الرئيسي لتعميق السيطرة على الضفة الغربية وضم المنطقة إلى "إسرائيل" هو ديني، تُقدّم لهم روايات مُغلّفة تُسوّق للجمهور على أنها "مصلحة جماعية"، وهكذا، تُطرح "أسباب استراتيجية" مزعومة، مثل "لا يفهم العرب إلا عندما تُسلب منهم أراضيهم" و"حيثما توجد مستوطنة، لا يوجد إرهاب"، يُقدّم هذا الجهد على أنه تطبيق لدروس 7 أكتوبر، دون الإشارة إلى أن أبرز داعميه كانوا من بين مُسبّبي الفشل والفكرة، ولم يتحمّلوا مسؤوليتهم، ويسعون الآن إلى تقديم أنفسهم على أنهم "مُصلحون".

من أبرز الحجج المطروحة اليوم أن البؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية تُعدّ "تجسيدًا معاصرًا للريادة الصهيونية" وقوةً تحمي بقية "البلاد"، وهو ما يحظى بإجماع شعبي واسع، من الضروري دحض هذه الحجج (من خلال توضيح الدعم الشعبي)، فضلًا عن دحض "المسلمات" الأخرى، مثل الادعاء بأن مرتكبي العنف "قلة قليلة" وأنه "لا وجود للإرهاب اليهودي".

وكما أشار كبار المسؤولين الأمنيين مؤخراً، فإن نقاط الاستيطان العديدة - التي لا يمتلك جميعها "منطقاً استراتيجياً" - تتطلب تخصيص المزيد والمزيد من القوات، كما أن عدداً كبيراً من شاغليها يزيد من حدة التوترات على الأرض، بما في ذلك استخدام العنف ضد قوات الأمن.

يكتشف صناع القرار في "إسرائيل"، بمن فيهم بعض المسؤولين الأمنيين، تدريجياً أنه من المستحيل الجمع بين طرفي نقيض: تشجيع التوسع الاستيطاني الهائل وتخصيص موارد ضخمة لهذا الغرض، وتصنيف سكان جميع المزارع الاستيطانية والبؤر الاستيطانية على أنهم "أصول وطنية"، والتأكيد على أن السلطة الفلسطينية عدو يجب القضاء عليه، بل ووصف جميع الفلسطينيين بأنهم عدو لدود، ثم الدهشة من مظاهر العنف الشديدة، يكشف هذا عن تناقض صارخ مع "القيم اليهودية والإسرائيلية الأساسية"، ويضر بشدة بصورة "إسرائيل" الدولية، لا سيما في نظر الإدارة الأمريكية التي بدأت تنتقد القضية بشدة، في حين تُظهر تزايداً في الشكوك وعدم الثقة تجاه إسرائيل.

إن تعزيز صورة "إسرائيل" كـ "دولة" تفتقر إلى الحكمة المتوازنة وفقدت السيطرة على ما يجري في الضفة الغربية قد يؤدي تدريجياً إلى فرض تدابير تهدف إلى تدويل الصراع، بما في ذلك بدعم من "ترامب"، وهكذا، قد تحذو الضفة الغربية حذو غزة، حيث بات واضحاً للعالم أن "إسرائيل" لا تملك زمام الأمور أو خطة محكمة سوى الحرب المستمرة واحتلال الأراضي، ونتيجة لذلك، انتُزعت منها زمام الهيمنة على المنطقة، كما تجسد ذلك في إنشاء آلية مركز تنسيق مكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، وفي إرساء نظام يتعارض مع تصريحات "القادة الإسرائيليين" منذ بداية الحرب، لا سيما فيما يتعلق بنزع سلاح حماس.

تكشف الأزمة الحادة في الضفة الغربية عن حقيقة قاتمة بشأن "المجتمع الإسرائيلي"، ففي ظل الحرب، يبرز تدريجيًا فئتان سكانيتان مختلفتان في رؤيتهما للعالم وتصورهما للزمان والمكان، بل وتتصادمان فيما بينهما، فمن جهة هناك فئة كبيرة، ربما تشكل الأغلبية، تجهل ما يجري وراء الخط الأخضر، وتفتقر إلى فهم أهمية قيام دولة واحدة تتبلور تدريجيًا بين البحر والأردن، لا سيما فيما يتعلق بقضية مصير ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية، والتي تُعتبر "هامشية"، ومن جهة أخرى، هناك فئة تعيش في جو من الوهم، وتستبدل التفكير الاستراتيجي المعقد بمصطلحات دينية، بينما تطمح إلى توسيع حدود الدولة، مصحوبة بمغامرات أيديولوجية خطيرة تتمثل في محاولات الاستيطان في غزة، وكذلك في سوريا ولبنان.

مهما كثرت الضربات التي سيتلقاها أولئك الذين يعتقدون أن 7 أكتوبر قد خلق فرصة تاريخية لتغيير الواقع بين البحر والأردن، سيظلون متشبثين بشدة بإيمانهم بأن تحقيق أهدافهم بات في متناول اليد، لقد رفض "ترامب" رفضًا قاطعًا فكرة الضم، وذكر الدولة الفلسطينية في قرارٍ روج له في الأمم المتحدة، وألغى فكرة طرد سكان غزة، وأجبر "إسرائيل" على  التسوية في القطاع - لكن هذه الإجراءات لا تحفز على مراجعة الذات ولا تنبئ بتغير في المفاهيم، وهكذا، تحل الضفة الغربية تدريجيًا محل قطاع غزة كعاصمة لأوهام "إسرائيل"، أي منطقة تعكس استبدال السياسة الرصينة بالأوهام، هذه الأوهام تنهار دائمًا، لكن منشئيها، مستهزئين بمصطلحي "البحث" و"الاستراتيجية"، يسارعون إلى تحقيق أوهام جديدة فاشلة.

يُلحق الحريق في الضفة الغربية ضربة مزدوجة بالجهود الوطنية الحالية المُركزة على الحرب في إيران ولبنان: أولًا، ضرورة تحويل القوات إلى الضفة الغربية، وثانيًا، تشويه صورة "إسرائيل" في وقتٍ تُعد فيه الشرعية الدولية ضرورية للغاية للصراعات الهامة الدائرة، لأكثر من عقد، حذر مسؤولون أمنيون من تحول استراتيجي في الضفة الغربية نتيجةً لتغيرات في الجانب الفلسطيني، لكن هذا لم يتحقق، وقد تزايدت احتمالية وقوع انفجار في هذه المنطقة في الأسابيع الأخيرة، ولكن هذه المرة تحديدًا بسبب زلزالٍ مصدره الجانب اليهودي، وقد حان الوقت لصناع القرار أن ينظروا إليه كتهديد استراتيجي.

في الضفة الغربية، سيُحسم مصير "إسرائيل"، ويجب أن يكون السؤال عما يجري في هذه المنطقة ومصيرها المستقبلي محور الانتخابات، في هذا السياق، من الضروري أن يطرح الجمهور أسئلة صعبة على القادة ويطالب بإجابات شاملة لا مجرد شعارات جوفاء عن السيادة أو اتهامات مبهمة حول إدارة الصراع.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ الدكتور "ميخائيل ميلشتاين" هو رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة "تل أبيب".