ترجمة الهدهد
مقال رأي

عشية عيد الفصح عام ٢٠١٦، نجلس حول مائدة سيدر في فترة ترقب متوترة، نقترب من نهاية الإنذار الذي أطلقه الرئيس "ترامب"، من الناحية الاستراتيجية، هذه لحظة حاسمة في سباق تعلم: سباق يسعى فيه كل طرف لفهم التغيرات بسرعة، والتكيف معها في وقت مبكر، وتحويل هذا الفهم إلى ميزة حقيقية،

لقد انتهى الوضع كما عرفناه، شهد النظام الإقليمي تحولاً جذرياً، لا عودة إلى الوضع السابق للحرب، لا في مضيق هرمز، ولا في البنية الأمنية في الخليج، ولا في قوة محور الإخوان المسلمين.

لذا فإنّ الفكرة المحورية لهذا الامتحان النصفي هي: إنّ مجموعة المشاكل التي تواجهها "إسرائيل" اليوم أسهل من تلك التي واجهتها في الساعة السادسة والنصف صباحًا من يوم 7 أكتوبر، في الوقت نفسه، تفاقمت مجموعة المشاكل التي يواجهها خصومها بشكلٍ كبير، ونتيجةً لذلك، فُتحت نافذة سياسية واستراتيجية سانحة، ولكن يجب أن نقولها بصراحة: لقد وصلنا إلى أقصى حدود قدرات شعبنا، بينما تقف "المؤسسات الإسرائيلية" على حافة الانهيار، ستواجه "الحكومة الإسرائيلية" التي ستؤدي اليمين الدستورية في بداية عام 2027 تحديًا هائلًا يتمثل في بناء قدرات مؤسسية قادرة على تحقيق الإمكانات الهائلة التي تراكمت خلال سنوات الحرب، وسد الفجوة التي ظهرت بيننا وبين خصومنا.

العلامات التي تشير إلى الحالة

إليكم 10 مؤشرات على أن مجموعة مشاكل "إسرائيل" قد تحسنت بشكل كبير، حتى وإن لم يتم حلها بأي حال من الأحوال:

  1. فشل الحرب الاقتصادية الإيرانية وعزل مضيق هرمز: تعتمد المحاولة الإيرانية لإحداث تأثير اقتصادي من شأنه أن يوقف الحرب على عدة محاور متوازية: إلحاق الضرر بالمراكز المالية في الخليج، وشلّ إنتاج الوقود، وإلحاق الضرر بمنشآت الغاز القطرية، وتعطيل البنية التحتية المدنية في الإمارات، وإلحاق الضرر بمراكز البيانات الحيوية للذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم.

في التحليل النهائي، فشلت هذه الخطوة، لم تُحدث ضغطًا دوليًا فعالًا على الولايات المتحدة، ولم تُضعف الإرادة الإقليمية لمواجهة طهران.

ما الذي تبقى للنظام؟ بشكل رئيسي مضيق هرمز ووكيل الحوثيين في مضيق باب المندب، لا ينبغي الاستهانة بهذه الورقة، ولكن يجب إدراك محدوديتها الزمنية، تمكنت إيران من تحقيق دخل مؤقت وإلحاق الضرر بشريان تجاري حيوي، لكنها بذلك سرّعت عملية أعمق: العالم يدرك الآن أنه لا يمكنه الاستمرار في الاعتماد على أهواء النظام، ويعمل على إيجاد بدائل على المدى المتوسط والطويل، قد تكتشف إيران أن مضيق هرمز مورد زائل، وأنه ساعة رمل قوتها قد انقضت.

  1. تدمير تريليون دولار من الاستثمارات الإيرانية في الأصول العسكرية والانتقال من لغة التباهي إلى باب المفاوضات: شهدت إيران في الأشهر الأخيرة تدميراً شاملاً لقيمتها العسكرية، فقد تم القضاء على منظومة دفاعها الجوي بالكامل، وتتعرض البنية التحتية الصناعية للحرس الثوري لتآكل مستمر، كما تم تدمير البحرية الإيرانية بالكامل، بما في ذلك تلك التي كانت تُعتبر محمية بحصانة في بحر قزوين، وتضاءلت قدرات منظومة الصواريخ الباليستية وسلسلة الإنتاج الداعمة للمشروع النووي مقارنةً بحالتها السابقة.

بعد أن تم فصل حزب الله وحماس عن إيران، وتضررت صورتها المهيمنة كمصدر للثورة القوية، حوّلت إيران أهدافها إلى البقاء و"الوقوف على قدميها في نهاية الحملة"، في الجولة الأخيرة من المحادثات في جنيف، قبل أربعة أسابيع فقط، دخلت طهران إلى طاولة المفاوضات بشعورٍ بالحصانة: نحو نصف طن من اليورانيوم المخصب على أراضيها، ومشروع نووي قابل للإصلاح، ومنظومة صواريخ ضخمة، وجيوش حليفة لا تزال تابعة لها، وقد أتت استراتيجية "أودي" الأمريكية في مفاوضات ما قبل الحرب، المصممة للتعامل مع هذه العناصر الأربعة، بنتائج عكسية، وقد أدلى المبعوث الخاص "ويتكوف" بشهادته مؤخرًا قائلاً: "أبلغنا وزير الخارجية الإيراني صراحةً أننا لن نقبل اليورانيوم المخصب الذي لم نستولِ عليه في هجوم يونيو عبر القنوات الدبلوماسية، وأن حق التخصيب حقٌ مكتسب"، حسناً، من لم يوافق على مناقشة 4 معايير في فبراير، فهو الآن مجبر على التعامل مع 15 نقطة وإمبراطورية راسية على عتبة داره، تجعل مجاله الجوي ملكاً لها وتستعد عملياً لغزو بري.

  1. أثبت "الاقتصاد الإسرائيلي" "صلابةً" في ظل الظروف القاسية المستمرة: بعد التساؤل عما حدث لإيران، لا بد من الانتقال إلى السؤال الأهم حقًا - ما الذي حدث لـ "إسرائيل"؟ هنا كانت إحدى المفاجآت البارزة للحملة، لم يخرج "الاقتصاد الإسرائيلي" من هذه الفترة سالمًا، ولكنه أظهر سمةً أكثر أهمية: صلابةً لا تُقهر في ظل الظروف القاسية.

تتمتع "إسرائيل" بميزة جوهرية لا ينبغي الاستهانة بها: مصدر محلي للغاز الطبيعي يوفر للاقتصاد آلية امتصاص للصدمات الطاقية، في عالم تتصاعد فيه أسعار الطاقة بسرعة نحو التضخم وتؤدي إلى تآكل النمو، يُعد هذا المصدر طبقة حماية استراتيجية.

تتمتع "إسرائيل" بميزة جوهرية لا ينبغي الاستهانة بها: مصدر محلي للغاز الطبيعي يوفر للاقتصاد آلية امتصاص للصدمات الطاقية، في عالم تتصاعد فيه أسعار الطاقة بسرعة نحو التضخم وتؤدي إلى تآكل النمو، يُعد هذا المصدر طبقة حماية استراتيجية، في الوقت نفسه، لا يزال الشيكل قويًا ويقترب من ذروته مقابل الدولار، وانخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 70%، وتعكس تكاليف الاقتراض ثقة متجددة (60 نقطة مئوية في مؤشر مقايضة مخاطر الائتمان، وهو أفضل من بيانات 6 أكتوبر 2023)، وتسمح إيرادات الدولة لـ "إسرائيل" بتمويل حرب مكلفة دون الوقوع في أزمة فورية.

ليس هذا مدعاةً للغرور، بل هو دليل على فشل الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى تقويض القدرة الاستيعابية لـ "المجتمع الإسرائيلي"، فعندما تستمر دولة ما في الإنتاج، وتراكم الديون، وجذب الاستثمارات تحت وطأة الحرب، فإنها تُرسّخ موقفًا قويًا لما بعد انتهاء القتال، وليس من قبيل المصادفة أن صرّح "جينسن هوانغ" الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا"، أكبر وأهم شركة في العالم، هذا الأسبوع قائلاً: "لدى الشركة 6000 عائلة في "إسرائيل" تواصل العمل والعيش في ظلّ هذه الظروف الصعبة، دعوني أؤكد لكم التزامي الكامل تجاه إسرائيل".

  1. صمود الجبهة الداخلية وفعالية نظام الدفاع الصاروخي: تخوض "إسرائيل" اختبارًا مستمرًا تعمل فيه الحكومة المحلية وقيادة الجبهة الداخلية ونظام الدفاع الجوي بتناغم تام، فعلى الرغم من إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي خلال الشهر الماضي، لم ينهار النظام المدني، ويُعدّ استمرار عمل النظام الصحي والبنية التحتية والقيادة الرقمية، إلى جانب تماسك المدنيين في ظلّ النيران، من الشروط الأساسية التي تمنع الدولة من التفكك من الداخل وتسمح بشنّ حملة مستدامة.
  2. محادثات السلام في بيروت: ألحقت عملية "السهام الشمالية" ضرراً بالغاً بحزب الله، وأحدثت تحولاً استراتيجياً أدى إلى تغيير جوهري في موازين القوى في لبنان، إن الدعوات العلنية للسلام، التي تجلت في مبادرة الرئيس "جوزيف عون" ذات النقاط الست للتفاوض المباشر مع "إسرائيل"، وفي استعداد الزعيم المسيحي "سمير جعع" للتصريح بأن السلام شرط أساسي لازدهار لبنان، ليست رؤيةً فاشلة، حتى "نبيه بري"، الزعيم الشيعي، يُبدي الآن مرونةً في مواجهة الدمار الوطني، يجب أن تُفكك عملية "الجيش الإسرائيلي" في جنوب لبنان ركيزة حزب الله بطريقة تمنع تعافيه، بالتوازي مع خطاب سياسي يُحقق التغيير في موازين القوى في دولة الأرز.
  3. دخل محور الإخوان المسلمين في أزمة: فقد اصطدمت الشراكة القطرية التركية بسقف زجاجي منيع، عانت قطر من أضرار اقتصادية وخيبة أمل جراء انهيار نموذج "الدفع مقابل الدفاع" مع الغرب والمنطقة، واكتشفت الدوحة أن بنية الإخوان المسلمين التحتية في المساجد الأوروبية، وعلاقاتهم الحكومية، وممتلكاتهم الاستراتيجية في أهم قطاعات الاقتصاد - والتي ساهمت في كبح جماح "إسرائيل" وإطلاق العنان لحماس - قد فشلت في السياق الإيراني، أما تركيا، من جانبها، فتكتشف مرة أخرى حدود قوتها في ظل اقتصادها المحلي الهش، بعد أن اضطرت لبيع نحو 60 طنًا من الذهب لتحقيق استقرار العملة من أجل مواصلة تمويل صناعتها العسكرية المتقدمة التي تبنيها، في حين أن اعتمادها على واردات الطاقة يثقل كاهل ميزانيتها، فكل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار الغاز والنفط تعني إنفاقًا إضافيًا بقيمة 7 مليارات دولار غير متوفرة في خزائنها المتضائلة، وهذا يعني تآكلًا في نفوذ هذا المحور، أما المنافسون الذين كانوا يشكلون تهديدًا في السابق، فهم الآن منشغلون باحتواء الأضرار، تحدث وزير الخارجية التركي، "هاكان فيدان"، المعروف بصراحته الشديدة، بصراحة عن التحديات الجديدة التي تواجه المحور في الأسابيع الأخيرة.
  4. غزة – استمرار "السيطرة الإسرائيلية" على 50% من القطاع، وانهيار الجبهة الداخلية الاستراتيجية لحماس وعزلتها: لا ينبغي الاستهانة بحجم التحدي في غزة، ففي ظل غطاء الحرب، تواصل حماس تلقي شاحنات الإمداد وفرض سيطرتها على الشوارع الفلسطينية والمؤسسات التي تُبنى في القطاع، مع ذلك، إذا كانت "إسرائيل" في عشية 7 أكتوبر/تشرين الأول تواجه كيانًا ذا سيادة يتمتع بالمبادرة والمفاجأة والشعور بالحصانة، فإن غزة اليوم تختلف اختلافًا جذريًا، فقدت حماس أجزاءً كبيرة من قدراتها وأراضيها، وتآكلت سيطرتها، وسُلبت منها المساحة التي كانت تعمل فيها كنظام حكومي منظم يشكل تهديدًا استراتيجيًا لـ "إسرائيل"، إضافةً إلى ذلك، لم تعد حماس تحظى بالدعم الإيراني، ومن المرجح أن يتلاشى دعمها القطري، ومن المرجح أيضًا أن تواجه تركيا، آخر معاقلها، صعوبة في تزويدها بالتمويل.
  5. انكشف "المحور السني المعتدل" على حقيقته، وبرزت الإمارات العربية المتحدة بأبهى صورها: فقد أظهرت الإمارات العربية المتحدة شراكة حقيقية في يوم حاسم حين اختارت الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة واتفاقيات "أبراهام" دون تحفظ، رغم الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية، كانت لحظة فارقة بكل معنى الكلمة، هذا تحول إقليمي يُشير إلى أن محاولة شراء السلام عبر الموازنة بين الأطراف قد استنفدت أغراضها، وهذا على النقيض من قطر، التي أبرمت اتفاقاً سرياً مع إيران بعد تضرر أراضيها، والسعودية، التي أدارت ظهرها للمنطقة، لقد أوضحت الحرب من هو الشريك العملي، ومن، كما قال "ترامب" في نهاية الأسبوع: "يختلق الأعذار لعدم الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام".
  6. ترسيخ الشراكة مع البنتاغون والجيش الأمريكي: تحتفل الولايات المتحدة هذا الصيف بمرور 250 عامًا على استقلالها، إنها 250 عامًا من المؤسسات، إمبراطورية تستمد قوتها من جودة قيادتها، ولكن ليس أقل من قوتها المؤسسية، من الدستور، ومن قوى المؤسسات الفيدرالية في وزارة الحرب والخزانة والخارجية، خلال الحرب، بُنيت حصن منيع لـ "إسرائيل"، بقاعدتين: في البنتاغون بولاية "فرجينيا"، وفي مقر القيادة المركزية الأمريكية بولاية "فلوريدا"، لا يوجد بلد آخر في العالم، وهذا ما يؤكده الآن عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين، عملت الولايات المتحدة عسكريًا جنبًا إلى جنب مع "إسرائيل" بنجاح باهر، متحملةً المخاطر جنبًا إلى جنب، أو في حالتنا، جناحًا بجناح.

خلال هذه الفترة، من الصواب التعامل مع الرئيس "ترامب" كما لو أنه لا غد له، والعمل على تعزيز التعاون القائم على القيم والجوهر مع الإدارة في عهده، مع الاستعداد في الوقت نفسه لمستقبل أمريكي خالٍ من "ترامب"، ستكون هذه الشراكة المتينة مع مؤسسات وزارة الحرب مصدر قوة لـ "إسرائيل" في المرحلة التالية لرحيل "ترامب".

  1. نهاية النظام الدولي: لقد انكشفت عيوب المؤسسات الدولية، من الأمم المتحدة إلى جامعة الدول العربية، في صورة مخزية، فـ "إسرائيل"، شأنها شأن الهند واليابان اللتين ازداد نفوذهما النسبي، تعاني من التشوهات الهيكلية لنظام أُنشئ في نهاية الحرب العالمية الثانية، ويُمثل انهيار المؤسسات القديمة، وإتاحة المجال أمام تحالفات مرنة وهادفة، فرصةً هامةً لـ "إسرائيل" لصياغة أجندة جديدة في السياقات السياسية الضرورية لازدهارها.

من المهم أيضاً تذكر التحديات العديدة

بشكل عام، أصبحت مجموعة "التحديات الإسرائيلية" أسهل في التعامل معها، ولكن هناك عناصر منها أصبحت أكثر صعوبة في الحل، ويتراجع الرأي العام في الولايات المتحدة، والشعب الأمريكي غير مستعد لحرب استنزاف طويلة الأمد، وقد برزت "معاداة السامية" الصارخة ولن تختفي، وأظهر النظام الإيراني مرونة عملياتية فاجأت أجهزة الاستخبارات، ولا تزال تُلحق الضرر بقطاعات رئيسية من "الاقتصاد الإسرائيلي"، أما على الصعيد الإقليمي، فنشهد إصرار السعودية على سياسة حذرة وانفصالية بدلاً من الانضمام إلى شراكة إقليمية، مما يُصعّب إرساء أمن إقليمي مستقر وكامل، وفي الضفة الغربية، بلغ عنف المستوطنين مستويات وصفها وزير المالية "سموتريتش" بأنها "تُهدد مشروع الاستيطان برمته، ويجب استئصاله".

لن يجدي الاعتماد على نموذج نهاية حرب الأيام الستة نفعًا هنا، يجب ألا نخلق جوًا من الغرور، علينا أن نتصرف كأحفاد مؤسسين للسيادة اليهودية في "إسرائيل"، إن الفوز في منافسة التعلم ليس سوى الخطوة الأولى في بناء المؤسسات التي ستضمن وجودنا لأجيال قادمة، حتى هذه اللحظة، أثبتنا تفوقنا في المجال، لكن التدهور المؤسسي الذي يتغلغل في "النظام العام الإسرائيلي" لن يسمح بتحقيق ذلك على النحو الأمثل.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "جوناثان أديري"