ترجمة الهدهد

بعد شهر من القتال، لا تزال الإدارة الأمريكية تُصوّر حملتها ضد إيران على أنها نجاحٌ كبير، إلا أن وراء هذه الرسائل المتفائلة تكمن صعوبةٌ متنامية: لا تكمن في إلحاق الضرر بإيران فعلياً، بل في القدرة على صياغة صيغةٍ نهائيةٍ تُقدّم كإنجازٍ واضح، هذا هو جوهر معضلة "ترامب"، فهو لا يريد الانجرار إلى "حربٍ أبدية" أخرى، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التوقف دون صورةٍ للنصر تُثبت أنه لم يُلحق الضرر بإيران فحسب، بل غيّر أيضاً قواعد اللعبة.

يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الإدارة ترغب في إنهاء الحرب، بل في ظل أي ظروفٍ تستطيع فعل ذلك، وحتى في هذه الحالة، يبقى من غير الواضح إلى أي مدى ستبقى السيطرة مُحكمةً بيده.

يعود السبب في ذلك إلى أن الحرب تجاوزت الأهداف العسكرية الأصلية التي كان من المقرر تحقيقها في غضون 4 إلى 6 أسابيع، فمن وجهة نظر واشنطن، لم يعد كافيًا إلحاق الضرر بالبنية التحتية العسكرية والنووية؛ بل بات من الضروري أيضًا إيجاد حل لمسألتين أساسيتين: حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وقد أصبحت قدرة إيران على تهديد هرمز أداة ضغط استراتيجي واقتصادي وسياسي، نظرًا لتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة ومكانة الولايات المتحدة في مواجهة حلفائها.

في الوقت نفسه صرّح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية "رافائيل غروسي" بأن أكثر من 200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يُرجّح وجودها في منشأة أصفهان، وأن الوكالة لا تملك أي مؤشر واضح على نقل هذه المواد، لذا حتى لو اعتقدت الإدارة الأمريكية أنها ألحقت ضررًا بالغًا، فإنه يصعب عليها إعلان نهاية الحرب طالما بقيت هاتان المسألتان عالقتين.

في ظل هذه الخلفية، تواجه الإدارة نهجين متنافسين، يرى أحدهما في المفاوضات سبيلاً حقيقياً للخروج من الحرب من موقع قوة، بينما يراها الآخر مجرد خطوة تكميلية، تهدف إلى كسب الوقت، وإتاحة مزيد من الاستعدادات، وإضفاء الشرعية في حال اتخاذ قرار بالتصعيد، ويبدو أن نائب الرئيس "جيه، دي، فانس" من بين الأصوات البارزة التي تدعو إلى استنفاد القنوات الدبلوماسية، حتى لو كان ذلك يعني تقديم تنازلات معينة فيما يتعلق بالأهداف القصوى التي طُرحت في البداية.

تشير الهدنة التي أعلنها "ترامب" في 26 مارس/آذار لمدة 10 أيام، مع موقف حازم بشأن البنية التحتية للطاقة، إلى جانب الترويج لمقترح أمريكي من 15 نقطة عبر باكستان، إلى رغبة في ترك مجال للتوصل إلى اتفاق، من جهة أخرى، تتواصل الاستعدادات العسكرية بالتوازي: فبحسب تقرير صدر صباح اليوم، يستعد البنتاغون لاحتمالية استمرار العمليات البرية في إيران لأسابيع، وقد تم بالفعل تعزيز القوات الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك قوات المارينز وقوات إضافية من الفرقة 82 المحمولة جواً، بعبارة أخرى، لا تُعد المفاوضات بالضرورة خيار الخروج، بل قد تكون إطاراً للتحضير لتحرك أوسع.

إذا اتُخذ قرارٌ بالانتقال من مرحلة ضغط عسكري محدودة نسبيًا إلى عملية برية أوسع نطاقًا تعتمد على التعزيزات المنتشرة بالفعل، فسيعني ذلك تجاوز حرب طويلة ومكلفة وأكثر تعقيدًا، قد تُؤدي هذه الخطوة إلى مزيد من تآكل الدعم السياسي الداخلي، وتُفاقم التناقض بين وعد "ترامب" بإنهاء الحروب سريعًا وواقع استمرار التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، لذا، حتى لو لم يكن الضغط الداخلي على الرئيس حاسمًا بعد، فكلما طالت الحرب، ضاقت خياراته: فالتوقف المبكر سيُعتبر ضعفًا، والتوسع الكبير قد يُطيل أمد الحرب أكثر مما هو مُخطط له.

في غضون ذلك، قد تتسع الفجوة بين واشنطن و "تل أبيب"، فبالنسبة للولايات المتحدة، تُعدّ حرب الطاقة وضرورة تحييد مضيق هرمز جزءًا لا يتجزأ من الشروط النهائية، أما بالنسبة لـ "إسرائيل"، فرغم أهمية هذه القضية، إلا أن الأولوية القصوى قد تكون في استنفاد الملف الإيراني والتركيز على لبنان ومنع عودة حزب الله، مع ذلك تسعى إيران جاهدةً لمنع هذا الفصل، إذ أوضحت طهران عبر الوسطاء أن أي اتفاق يجب أن يشمل لبنان ووقف الهجمات على حزب الله، لذا، فإن الصورة بعد شهر من القتال تُظهر إدارة أمريكية لا تزال تُحقق نجاحات، لكنها لم تُقرر بعد ما إذا كانت المفاوضات هي الحل الأمثل أم مجرد مرحلة انتقالية نحو تصعيد أكبر.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"

 "إلداد شافيت"، عقيد متقاعد، وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)