"بايب".. إيران قد تخرج من الحرب أقوى بكثير
ترجمة الهدهد
بعد مرور 5 أسابيع على اندلاع الحرب، بات من السهل فهم انجذاب الناس إلى مظاهر القوة، فهناك ضربات دقيقة، واغتيالات، وقدرات مذهلة، وسيطرة على الأجواء، ولحظات قد يعتقد فيها المرء أن استخدام القوة سيغير الواقع، لكن السؤال الذي يلوح في الأفق في أي حرب من هذا النوع ليس فقط ما إذا كان الطرف الأقوى قادرًا على إلحاق المزيد من الضرر، بل ما إذا كان يقترب من تحقيق أهدافه السياسية.
هل تجلب المزيد من الهجمات الأمن، أم أنها تدفع الجميع إلى مزيد من الصراع الذي بات من الصعب السيطرة عليه؟
هذا هو السؤال الذي يشغل بال البروفيسور "روبرت بايب" أستاذ العلوم السياسية في جامعة "شيكاغو" ومؤسس مشروع "شيكاغو" للأمن والتهديدات، لطالما اعتُبر بايب أحد أبرز الأصوات المؤثرة في دراسة الحرب والإكراه والإرهاب، وقد تحدّى كتابه "القصف من أجل النصر" أحد المعتقدات الأساسية في الحروب الحديثة: فكرة أن القوة الجوية وحدها قادرة على إجبار العدو على تغيير سلوكه، ووفقًا لبايب، قد تُحقق عمليات القصف الجوي مكاسب تكتيكية، لكنها غالبًا ما تفشل في تحقيق الأهداف السياسية، بل قد تُعزز أحيانًا تصميم الطرف المُعارض.
بحسب "بايب"، فإن "إسرائيل" والولايات المتحدة لا تقتربان من تحقيق النجاح، إذا كان النجاح يعني مزيدًا من الأمن والاستقرار والسيطرة، بل على العكس، فهما عالقتان بشكل متزايد في "فخ التصعيد"، وهي عملية تبدو فيها كل خطوة في البداية وكأنها إنجاز تكتيكي، لكنها في الواقع تُحدث تغييرًا خطيرًا لا رجعة فيه.
في مقابلة يشرح "بايب" لماذا يرى أن قصف موقع "فوردو" في يونيو 2025 كان إنجازًا تكتيكيًا وليس نصرًا استراتيجيًا، ولماذا لم يؤدِ استهداف القادة إلى تفكيك النظام الإيراني، ولماذا يُغيّر رد إيران المضاد موازين القوى الإقليمية، ولماذا يعتقد أن الحرب تدفع "إسرائيل" والولايات المتحدة إلى شنّ حملة برية.
ويشير أيضًا إلى مخرج الأزمة: بدلًا من القوة والدبلوماسية ووهم السيطرة، يجب إدراك حدود القوة، يقول: "إسرائيل والولايات المتحدة ليستا على طريق النجاح، أي تحقيق مزيد من الأمن للدولة، ومزيد من الاستقرار للاقتصاد، ومزيد من الحماية لـ "الإسرائيليين"، بل على العكس، نحن نسير في فخ تصعيد ثلاثي المراحل، وكل مرحلة تزيد من صعوبة الخروج منه، بدأت المرحلة الأولى من هذا الفخ بالقصف الأمريكي الناجح لفوردو، تكمن المشكلة في أن اليورانيوم المخصب الذي كان في فوردو، والذي يكفي لصنع ما بين 10 إلى 16 قنبلة نووية، قد أُزيل قبل الهجوم، ومن المرجح أنه تم توزيعه، وبالتأكيد لم يُدمر بالكامل.
بالضبط، في غضون ثمانية أشهر، دخلوا في حالة ذعر استراتيجي، لماذا؟ لأنهم يفتقرون إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تُعدّ بمثابة "العيون والآذان"، لا تزال هناك معلومات استخباراتية، لكن مع مرور الوقت، يزداد الخوف، عندها، بالنسبة لصناع القرار، لا يبقى أمامهم سوى مسار عسكري واحد: تغيير النظام، وهذه هي المرحلة الثانية في الفخ: الانتقال من القدرة على القصف إلى القصف نفسه وصولاً إلى تقويض النظام.
عندما تحاول إحداث تغيير في النظام باستخدام القوة الجوية وحدها، فإنها لا تفشل فحسب، بل تُحدث أيضًا رد فعل مضاد واسع النطاق، في هذه الحالة، يأتي هذا الرد على شكل تصعيد أفقي: طائرات بدون طيار، وصواريخ، وألغام، وهجمات على المناطق البحرية وممرات الطاقة، وفي غضون ذلك، لم ينهار النظام الإيراني.
بل على العكس، فقد ازداد الوضع خطورة، مع تراجع القيود الداخلية وتنامي الطابع الثوري المتشدد، وفي الوقت نفسه، باتت إيران أقوى جيواقتصادياً، فإذا سيطرت فعلياً على مرور 20% من نفط العالم، فبإمكانها أيضاً جني مليارات الدولارات من رسوم مرور السفن، وهذا بحد ذاته سيناريو كارثي، لأنك ستكتشف أنك لم تُضعف خصمك، بل ساعدته على أن يصبح خطيراً وعنيداً، وأن يمتلك أدوات قوة إضافية.
وما هي المرحلة الثالثة؟
"العملية البرية، لا أقول إنها كانت مُخططًا لها مُسبقًا، ولكن كما كان هناك استعداد مُطوّل للحملة الجوية، كذلك بدأ الاستعداد للحملة البرية، من المُحتمل أن تبدأ بشكل محدود، لأنهم دائمًا ما يقولون "محدود"، لكن التجربة تُظهر أن "المحدود" لا يبقى محدودًا، إنها منطق التصعيد. لذلك، ما نواجهه ليس مجرد جولات أخرى، بل هو ديناميكية تُقوّي إيران، وتزيد من احتمالية وصولها إلى امتلاك أسلحة نووية، وتُغيّر موازين القوى على حساب إسرائيل والولايات المتحد.
لماذا يصعب على صناع القرار رؤية الفجوة بين النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي؟
لأن التكتيكات تُصوَّر بشكل أفضل، من السهل عرض مقاطع فيديو للخسائر والاغتيالات على الجمهور، لكن من الصعب إظهار عملية يتكيف فيها الخصم، ويُعمِّق نظامه، ويتعرف على نقاط ضعفك، ويبدأ في بناء أدوات قوة جديدة لنفسه.
يعيش السياسيون في دورات زمنية قصيرة، وتُبنى الجيوش لقياس الإنجازات الملموسة، وتُحب وسائل الإعلام اللحظات الحاسمة، لكن الاستراتيجية تُختبر بسؤال ما إذا كنت قد حسّنت وضعك السياسي، يمكنك أن تكون فعالاً عملياً، وفي الوقت نفسه تُلحق بنفسك ضرراً بالغاً.
لماذا يُعد مضيق هرمز وسوق الطاقة عنصراً أساسياً؟
الطاقة قوة، عندما تصبح إيران عاملاً أكثر حسمًا في نقل النفط العالمي، فإنها لا تكتفي بالبقاء فحسب، بل تكتسب نفوذًا جديدًا وتجني المال، ويمكنها أن تضغط على الأسواق، وتصبح مشكلة، إذا انتهت الحملة الجوية بواقعٍ تمتلك فيه إيران المزيد من الأوراق الرابحة في هذا المجال، فسيكون عكس ما أرادت تحقيقه قد حدث.
ماذا ستقول لصناع القرار في واشنطن؟
أولاً وقبل كل شيء، احذروا وهم السيطرة، لا تفترضوا أن الدقة التكنولوجية تحل المشاكل السياسية، أو أن القضاء على القادة يُعدّ بمثابة إسقاط نظام، أو أن الخصم سيردّ وفقًا للسيناريو الذي يناسبكم، عليكم أيضًا التفكير في مصداقية أمريكا ليس فقط من حيث العزيمة، بل من حيث الحكمة أيضًا، فالقوة ذات المصداقية ليست مجرد قوة تعرف كيف تضرب، بل هي قوة تعرف كيف توقف، وتضع حدودًا، وتبني ترتيبات يمكن التعايش معها، إذا استمرت واشنطن في قياس النجاح فقط من حيث الضرر، دون التساؤل عن نوع النظام الإقليمي الذي تُنشئه، فقد تكتشف أنها دفعت حليفًا وثيقًا لها إلى مسار أكثر خطورة، وأنها هي نفسها غارقة بعمق أكبر في الشرق الأوسط تحديدًا عند النقطة التي أرادت فيها تقليص التزامها تجاهه.
هل ترى سيناريو يتوقف فيه "ترامب" و"نتنياهو"، ويتوصلان إلى اتفاق، ويتم تجنب الغزو البري؟
لا أقول إنه لا توجد إمكانية للتفاوض، لكن هامش ذلك قد ضاق، هناك طريقان لإنهاء مثل هذا الوضع: عبر المفاوضات أو في ساحة المعركة، إذا حاولنا الآن العودة إلى طاولة المفاوضات، فعلينا أن ندرك أن المقترحات التي قدمتها إيران قبل بدء القصف لم تعد صالحة، لذا طلبت إيران إبقاء المواد المخصبة داخل حدودها بمستوى منخفض نسبيًا، لكن "ترامب" رفض، ومنذ تلك اللحظة انتقلنا إلى القصف.
الآن وقد باتت إيران تسيطر على شريان طاقة رئيسي، وتجني منه أرباحاً طائلة، وتتمتع بمزايا جديدة، فليس لديها أي مبرر للتخلي عن المفاوضات لمجرد "إنقاذ" نتنياهو وترامب، لذا، إذا كنتم ترغبون في مفاوضات الآن، فعليكم رفع الأسعار بشكل كبير، قد يبدأ هذا برفع العقوبات عن النفط، وهي خطوة اضطرت الولايات المتحدة بالفعل إلى اتخاذها إلى حد ما، لأن من مصلحتها أيضاً منع ارتفاع حاد في الأسعار، لكن هذا لا يكفي على الإطلاق.
إن القضية الأهم هي ضبط النفس العسكري "الإسرائيلي"، فإذا طُلب من إيران التخلي عن هذه القوة العظمى، فلا بد من تقديم مقابل لها، يمكن تصور اتفاق تنضم بموجبه "إسرائيل" إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بعبارة أخرى، إذا خضعت المواقع النووية الإيرانية للإشراف، فسيخضع مشروع ديمونا أيضاً للإشراف، ستعترض "إسرائيل" بالتأكيد، لكن من وجهة نظر إيران، قد يكون هذا حافزاً، لأنه سيتيح لها فهماً أوضح لقدرات "إسرائيل" النووية.
لكن حتى ذلك قد لا يكون كافياً، قد تطالب إيران بتعهد أمريكي بوقف المساعدات الاقتصادية والعسكرية في حال هاجمت "إسرائيل" أراضيها مجدداً، وقد تطالب أيضاً بتغيير في انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، هذه هي المطالب التي تظهر بعد الوقوع في فخ محكم، لم أرَ قط دولة تتخلى عن السلطة طواعية.
لماذا تعتقد أن ترامب ونتنياهو دخلا هذه الحرب من الأساس؟
في رأيي، يكمن التفسير الحاسم في توقيت وديناميكية فخ التصعيد، فمنذ لحظة قصف فوردو، كدتَ تُقرر المرحلة التالية بنفسك، في تلك اللحظة، أدركتُ إلى أين تتجه الأمور، وهذا يُفسر أيضاً لماذا لم يُحاول ترامب الإطاحة بالنظام في الماضي عن طريق القصف، رغم الضغوط التي تعرّض لها، بينما فعلها الآن.
فوردو هو من خلق هذه الديناميكية، لقد رأيتُ هذه العملية النفسية تتكرر مراراً وتكراراً لدى القادة: يُعرض عليهم قدرة ودقة مذهلتان في الضربات، وفي غضون دقائق يتساءلون: "هل من الممكن أيضاً قتل القائد؟" ثم يأتي الوهم الأكبر، الناجم عن الجمع بين الأسلحة الدقيقة والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة: "أنا لستُ قادراً فقط على ضرب الموجة الأولى - بل أُسيطر على التصعيد بأكمله".
ما هو موقع المملكة العربية السعودية ودول الخليج؟
قد يكون هناك بُعدٌ لاتفاق إقليمي أوسع نطاقًا، عندما تابعتُ زيارة "ترامب" إلى السعودية وقطر والإمارات، رأيتُ محاولةً لعقد صفقةٍ مُتبادلة: التطبيع والتكامل الإقليمي حول "إسرائيل"، وفي المقابل، فتح الباب أمام بناء قوة اقتصادية وتكنولوجية هائلة، بما في ذلك في مجال الذكاء الاصطناعي، يُمكن اعتبار هذا جزءًا من محاولة لتشكيل تحالف ضد إيران، ولكن إذا خرجت إيران بمزيدٍ من القوة، فقد تُوجّه طاقتها أيضًا نحو السعوديين والإماراتيين، لذلك، لن أتفاجأ إذا طلب محمد بن سلمان من "ترامب" عدم وقف الحرب، فهو يُدرك أن حياته السياسية على المحك.
هل تعتبر انسحاب "ترامب" من الاتفاق النووي في عام 2018 هو الخطأ الأصلي؟
بالتأكيد، لقد كان خطأً فادحاً، لا سيما لعدم وجود خطة بديلة في حال فشل هذه الخطوة، لا أستبعد الأفكار الجريئة مسبقاً، ففي بعض الأحيان تنجح، كان الضغط الاقتصادي الأقصى الذي مارسه "ترامب" خطوة جريئة: فقد ألغى اتفاقاً كان ناجحاً إلى حد ما، واستبدله باتفاق قد ينجح أو يفشل، ولكن إذا أقدمت على مثل هذه الخطوة، فعليك أن تكون مستعداً، عليك أن تتوقع رد فعل عنيفاً، وأن تتوقع الفشل، وأن تُعدّ بديلاً، لم يكن هناك بديل هنا، والثمن باهظ، إيران، التي لم تكن تمتلك آنذاك مواد مخصبة تكفي حتى لربع قنبلة، سارعت بالعودة إلى التخصيب الصناعي، وفجأة تجد نفسك أمام مواد تكفي لصنع 10 إلى 16 قنبلة، وربما أيضاً للاستخدامات الإشعاعية.
هل يقلقك التهديد الإشعاعي، أي مزيج من المتفجرات التقليدية والمواد المشعة، أكثر من التهديد النووي؟
في الأشهر القادمة - نعم، لا تحتاج إلى رأس حربي نووي لإحداث صدمة استراتيجية، أنت بحاجة إلى مواد مشعة، ومنصة إطلاق، وضربة في مكان مثل "تل أبيب"، يكفي حدث واحد كهذا لتغيير شعور الناس بالأمان، والاقتصاد، والتركيبة السكانية، وقراراتهم بشأن البقاء أو الرحيل، يعيش حوالي 7 ملايين يهودي في "إسرائيل" ضمن منطقة يقطنها حوالي 500 مليون مسلم، ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، ظهرت مؤشرات على هجرة عشرات الآلاف من الإسرائيليين، تخيل الآن سيناريو قنبلة إشعاعية في قلب كتلة دان، هذا خطر استراتيجي من الدرجة الأولى، وأتوقع أن تفكر فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ليل نهار.
هل كانت القيادة الإيرانية ترغب دائماً في امتلاك أسلحة نووية، أم أن ذلك تم فرضه عليها من الخارج؟
ليس لدينا اطلاع كامل على ما يجري داخل دوائر القيادة في طهران، ولست متأكدًا من أن أجهزة الاستخبارات لديها صورة كاملة أيضًا، عندما أنظر إلى المرشد الأعلى، أرى أنه أصدر فتويين (حكمين شرعيين) ضد امتلاك الأسلحة النووية، لن أراهن بكل ثروتي على ذلك، لكنه بالتأكيد شكّل نوعًا من الحاجز الأمني، الأهم هو ما حدث نتيجة لسياسة "قطع الرؤوس"، كثير من مؤيدي هذا النهج يبررون لأنفسهم قصة بسيطة: سنقتل المتشددين، ونقوي المعتدلين، لكنني أرى نتيجة معاكسة.
كانت القيادة التي أُزيحَت، من بعض النواحي، أكثر ضبطاً للنفس، أما من يخلفها، فغالباً ما يكون أكثر صرامة، فبدلاً من تأجيل اليوم الذي ستمتلك فيه إيران أسلحة نووية، ربما تكون قد قرّبتَ ذلك منها، وفي الوقت نفسه، تُلقّن العالم بأسره درساً خطيراً: "انظروا إلى كوريا الشمالية، إنهم لا يقصفونها، لماذا؟ لأنها تمتلك قنبلة"، الرسالة واضحة: إذا كنت تمتلك أسلحة نووية، فأنت في وضع أفضل - وهذا لا يؤثر على إيران فحسب، بل على لاعبين آخرين في المنطقة، وربما على السعودية أيضاً.
إذا كانت "إسرائيل" بالفعل في فخ التصعيد، فما هو المخرج؟
ما زلتُ أعتقد أن الحل يكمن في المفاوضات، حتى وإن ازدادت صعوبة، أولًا، سأتوقف عن تعميق الأزمة، فبعض الإجراءات التي تتخذها "إسرائيل" لا تُسهم إلا في دعم إيران من خلال الدعاية، ثانيًا، سأبدأ بجدية في مسار المفاوضات، حتى لو تطلب ذلك تنازلات صعبة، لو كنتُ مستشارًا لـ "نتنياهو"، لقلتُ له: تحدث إلى "ترامب" الآن، وأوضح له أن "إسرائيل" تُدرك أنها قد تُضطر للانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو أي اتفاقية تفتيش متبادل أخرى، قد يبدو هذا شبه مستحيل، لكن في بعض الأحيان لا يكون قادرًا على اتخاذ مثل هذه الخطوة إلا من يُنظر إليه على أنه متشدد بما فيه الكفاية.
هل تقول بشكل أساسي أن الأمل الإسرائيلي في تحقيق الأمن من خلال المزيد من العدوانية في لبنان وعلى جبهات أخرى قد يؤدي إلى عكس ذلك؟
نعم، وليس فقط بسبب محدودية الحجم والموارد والاستنزاف، يقول البعض: "ما الفرق إن غضب المزيد من المسلمين من "إسرائيل"؟ الجميع يكرهنا على أي حال"، السؤال هو: ما هي نسبة الـ 500 مليون شخص المستعدين فعلاً للقتال والموت؟ وإذا تصرفت بطريقة تزيد من معدل تجنيد من ضدك، فأنت تضر نفسك.
"لدى إسرائيل الكثير لتخسره، كما أن فكرة أن الأسلحة النووية ستحل المشكلة ليست جدية، لن تستخدمها إسرائيل إذا كان ذلك يعني إلحاق الضرر بنفسها، لذلك، فإن فكرة التوسع والتطرف وتعميق الغضب، على أمل أن تحل القوة كل شيء، هي مقامرة كبيرة دون خطة بديلة".
إذن، ما هي رسالتك الرئيسية لـ "الجمهور الإسرائيلي"؟
إن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو الدبلوماسية، قد يبدو هذا الكلام غريباً في لحظة الألم والغضب والشعور بالخطر، لكن من الناحية التاريخية والاستراتيجية، فإن البديل أسوأ بكثير، فإسرائيل ببساطة ليست كبيرة بما يكفي لتأسيس أمنها طويل الأمد على الحرب في منطقة تضم 500 مليون مسلم.
إذا كان هناك من يعتقد أن 7 ملايين يهودي قادرون على الانتصار عبر الحرب، والغزو، والسيطرة، والهيمنة، فليقدموا خطة، هذا هو السؤال الحقيقي: كيف لنا أن نعيش في ظل هذا الوضع المعقد؟ لا أعتقد أن الحل يكمن في الإبادة، ولا أعتقد أن الحل يكمن في الأسلحة النووية، لم يبقَ أمامنا سوى طريق واحد: الاستقرار والسلام.
قبل ستة أشهر فقط، تم تقديم "إسرائيل" وحول العالم كقوة إقليمية جديدة، والآن تصف واقعاً معاكساً تماماً
"هذا صحيح، هذا هو الفرق بالضبط بين الخطاب والواقع، قد ينجرف المرء وراء شعور بالتفوق بعد رؤية صور النصر، ولكن في النهاية، كما هو الحال مع البالون في السوق، تأتي اللحظة التي يثقب فيها الواقع الخطاب، النجاح الاستراتيجي لا يُقاس بدقة قصفك هذا الأسبوع، بل بنوع الواقع الذي تُنشئه في غضون عام، وفي غضون خمسة أعوام، وفي غضون جيل".
ما مدى خطورة خطاب النصر، في رأيك، على الديمقراطية في زمن الحرب؟
"بالتأكيد، في الأنظمة الديمقراطية، ثمة إغراء دائم لتحويل الاستراتيجية إلى شعارات، فخطاب النصر يُسهم في تماسك التحالفات السياسية، وتهدئة الرأي العام القلق، وتجنب مواجهة الأسئلة الصعبة، لكن الثمن هو أن الجمهور يتوقف عن التساؤل عما إذا كانت هذه التحركات تخدم الأهداف السياسية، فبدلاً من السؤال: "إلى أين يقودنا هذا؟"، يكتفي بالتساؤل: "ما مدى استعدادنا؟".
"إنه أشبه بمخدر، فهو لا يُغير الواقع على الأرض، ولكنه يُغير قدرة المجتمع الديمقراطي على إدراك أنه يسلك طريقًا خطيرًا في الوقت المناسب، لذلك، يقع على عاتق الباحثين والصحفيين وصناع القرار واجب إخبار الجمهور بالحقيقة، حتى وإن كانت غير مريحة".
لو طُلب منك تلخيص تحذيرك في جملة واحدة؟
إن استخدام القوة العسكرية في هذه اللحظة لا يُقرّب "إسرائيل" والولايات المتحدة من تحقيق مزيد من الأمن، بل يدفعهما إلى فخٍّ يُضيّق خيارات الخروج منه، وإذا لم يحدث تغيير في الموقف، فقد لا تكون النتيجة نصراً، بل واقعاً إقليمياً أكثر خطورة، حيث تزداد قوة إيران، ويتزعزع الاستقرار، ويكون الثمن الاستراتيجي باهظاً للغاية مقارنةً بالإنجازات التكتيكية التي يمكن تحقيقها اليوم.
المصدر: مجلة "ذا ماركر"/ "جاي رولنيك"