ترجمة الهدهد

في دول الخليج، يتصاعد الغضب تجاه جامعة الدول العربية ومصر التي تديرها، فبينما تواصل إيران قصف منشآت الطاقة والأهداف المدنية في السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت، تكتفي الجامعة ببيان إدانة باهت، وفي الوقت الذي تُعيد فيه الولايات المتحدة النظر في فعالية الأمم المتحدة، تتزايد التساؤلات حول جدوى جامعة الدول العربية، وهي هيئة عتيقة ومكلفة وغير ضرورية.

لطالما أثارت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس "دونالد ترامب"، مسألة ضرورة الأمم المتحدة، فهي هيئة تُكلّف الولايات المتحدة مبالغ طائلة، ومعظم مواقفها هذه الأيام معادية لأمريكا، ولعلّه ليس من المستغرب أن يُثار السؤال نفسه الآن في دول الخليج الغنية، فبينما تتلقى هذه الدول حاليًا صواريخ وطائرات مسيّرة من إيران تستهدف مواقع مدنية ومنشآت نفطية وغازية، تكتفي جامعة الدول العربية بإدانة باهتة لأفعال إيران.

إدانة ضعيفة لا تختلف في جوهرها عن إداناتها السابقة للهجمات الإيرانية، وقد اكتفت الجامعة العربية بالتعبير عن "تضامنها الكامل مع الدول المُستهدفة ودعمها لدفاعها عن نفسها، ودعوتها إلى استعادة السلام والاستقرار".

في وسائل الإعلام العربية في دول الخليج وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أشار كثيرون إلى أن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي - السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، وعُمان، والبحرين - هي التي تتحمل العبء الأكبر من تمويل الجامعة المستمر.

تأسست جامعة الدول العربية في مارس 1945، قبل أشهر قليلة من تأسيس الأمم المتحدة، وهي تختلف عنها اختلافًا كبيرًا، فعلى غرار الأمم المتحدة، يُفترض أن تُنسق الجامعة العربية مواقف الدول العربية، وتمنع الحروب والنزاعات بينها، وتحل الأزمات سلميًا، في بداياتها، كانت الجامعة العربية هيئةً تُمثل القومية العربية الجامعة، والاستقلال عن الاستعمار، وإنهاء السيطرة الأوروبية على الشرق الأوسط، ومعارضة الصهيونية، كما كانت في بداياتها مؤسسةً أكثر فاعليةً وقوةً.

في جامعة الدول العربية، نسقت الدول العربية غزو جيوشها لـ "إسرائيل"، إلا أن المشاكل ظهرت في هذه المؤسسة منذ البداية، فقد غزت الجيوش العربية "إسرائيل" بشكل منفصل، في انتهاك للتنسيق العربي، وكثيراً ما انقادت الجامعة لأعمال غير شرعية، مثل غزو الجيش السوري للبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، وكان المبرر الرسمي لموافقة الجامعة على هذا العمل غير القانوني هو مساهمة سوريا المزعومة في إنهاء الحرب في لبنان، وكان أبرز عمل ظاهري للجامعة عام 1990، عندما انتهك الرئيس العراقي صدام حسين مبدأ الجامعة الأساسي المتمثل في احترام سيادة كل دولة عضو، وغزا الكويت، إلا أن هذا العمل كان بمبادرة من السعودية، التي تواصلت مع الولايات المتحدة ودعت قواتها للدفاع عن أراضيها (عملية درع الصحراء)، وهو عمل وافقت عليه الجامعة العربية لاحقاً بأغلبية ضئيلة.

لم تُجدِ قرارات تعليق عضوية الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية نفعًا، فتعليق عضوية مصر عام 1979 عقب اتفاق السلام مع "إسرائيل" ونقل مقر الجامعة مؤقتًا إلى تونس لم يوقف عملية السلام، كما أن تعليق عضوية سوريا عام 2011 عقب القمع الوحشي للاحتجاجات لم يمنع استمرار القمع والحرب الأهلية، وباءت مبادرات السلام التي أطلقتها الجامعة بالفشل أيضًا، فقد طالب اتفاق الطائف عام 1989 بحلّ الميليشيات باستثناء حزب الله، ومهّد الطريق لتقوية هذا التنظيم، وأبقى الاتفاق لبنان تحت رعاية سوريا، ما يُعدّ بمثابة موافقة ضمنية على احتلال دولة الأرز، ولم تُسفر مبادرة السلام العربية عام 2002 عن أي نتائج، إذ تبنّت الجامعة الخطة السعودية التي تُقدّم لـ "إسرائيل" تطبيعًا كاملًا مع جميع الدول العربية مقابل الانسحاب إلى حدود عام 1967، وهو اقتراح لم تُؤخذ على محمل الجد من قِبل أي حكومة في "القدس" حتى الآن.

على عكس الأمم المتحدة، لا تمتلك جامعة الدول العربية هيئة إنفاذ كهيئة مجلس الأمن، وتواجه مقترحات إنشاء قوة عربية مشتركة دائمًا مشكلة التوتر بين الدولتين المتنافستين على قيادة العالم العربي: السعودية ومصر (وآخرها بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبد الفتاح السيسي)، وإلى جانب مسألة قيادة هذه القوة، والخوف من تدخلها في الشؤون الداخلية للدول، يدور نقاش بين أعضاء الجامعة حول.. من هو عدو العالم العربي: إيران أم "إسرائيل"، والآن، يأتي اختبار التهديد الإيراني، الذي يبدو دليلًا إضافيًا ومحبطًا على عدم فعالية الجامعة.

نشرت الإعلامية والمعلقة السعودية "سخينا المشيخ" مقالاً لاذعاً في صحيفة "الحرة"، تناولت فيه ضرورة وجود جامعة الدول العربية في ظل الظروف الراهنة، وذكرت أنه بهدف تنشيط الجامعة، تقرر استبدال رئيسها السلبي، أحمد أبو الغيط، بوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي، بشخصية أكثر جاذبية، إلا أن هذا التغيير شكلي ولن يمنع استمرار التدهور الحاصل في علاقات دول الخليج مع الجامعة، وقد أعرب وزير الخارجية الكويتي، جراح جابر الصباح، عن عدم ثقته بالجامعة، بل وطالب بمناقشة جدوى وجودها بشكلها الحالي خلال الدورة 165 للجامعة في القاهرة، وأعرب عن احتجاجه على عدم توفير الجامعة أي حماية أو أمن لأعضائها في مواجهة التحديات التي تواجه العالم العربي.

كتب أنور قرقاش المستشار المقرب من رئيس الإمارات، على تويتر أن غياب هيئة عربية إسلامية فاعلة لمساعدة دول الخليج في التعامل مع الهجوم الإيراني أمرٌ لافتٌ للنظر، وأوضح معلقون مصريون، في مقابلات مع موقع "المشيخ"، أن اتخاذ خطوة تتجاوز الإدانة أمرٌ بالغ التعقيد، وقد يواجه مشكلات سياسية وإدارية تُؤخر عملية صنع القرار، واقترحوا عدم إلغاء هذه الهيئة بالكامل، بل إصلاحها لرفع كفاءتها، فإذا كان اتخاذ القرارات العملية صعباً إلى هذا الحد، فلماذا نحتاج إلى هذه الهيئة التي تُكلف عشرات الملايين من الدولارات سنوياً؟

"ما فائدته لنا؟"

يُعبّر المثل العربي الشهير خير تعبير عن مشكلة جامعة الدول العربية: "اتفق العرب على عدم الاتفاق"، في الأيام الأخيرة، استضافت قناة العربية معلقين من الكويت ومصر، وبلغ النقاش ذروته، وجّه الإعلامي الكويتي محمد الملا حديثه إلى عماد الدين الحسين رئيس تحرير صحيفة "الشروق" المصرية، وسأله عن جدوى وجود جامعة الدول العربية، هل من الضروري وجود هيئة عربية مشتركة ضخمة لنشر المواقف وقراءة أوراقها الرسمية؟

تساءل الملا في الاستوديو: "ننفق 100 مليون دولار سنوياً على جامعة الدول العربية، ومعظمها من دول الخليج، ثم يأتي الهجوم الإيراني وتستغرق الجامعة أياماً للرد بإدانة عادية، فما الفائدة المرجوة؟"

وأعرب عن استيائه من أن جامعة الدول العربية غالباً ما تغطي ديون الدول العربية، الناجمة عن سوء إدارة قادتها، كما أشار بغضب إلى طرد مصر من جامعة الدول العربية عقب الاتفاقية التي وقعها الرئيس الراحل أنور السادات، والتي كان من المفترض أن تحل القضية الفلسطينية، وذكر أن هناك دولاً في الجامعة عارضت بوقاحة التحالف العربي ضد العراق عندما غزا الكويت، وفي الختام، دعا إلى إلغاء هذه المؤسسة غير الضرورية.

ذهب المعلق الإماراتي محمد تقي، في مقابلة مع صحيفة "المشهد"، إلى حدّ القول بأن جامعة الدول العربية لم تعد ذات جدوى، وأن القومية العربية قد وصلت إلى طريق مسدود، وأوضح أن مصطلح "القومية" قد ولّى، وأن الحديث الآن لا يتعدى "الوطنية" والمصالح الإقليمية، ويزعم أن دور الجامعة الآن هو تعزيز السلام بما يخدم تقدم كل دولة عربية، إلا أن التطلع إلى إجماع عربي شامل يُعيق قدرات الجامعة، وأن الحاجة ماسة إلى تحرك عربي فاعل وعاجل.

في اليوم التالي للحرب في إيران، يُتوقع حدوث تغييرات جوهرية، ستعيد الولايات المتحدة النظر في ضرورة الأمم المتحدة وحاجة تمويلها، لا سيما وأن العديد من قادتها يعارضون الحرب الآن، وبالمثل، ستعيد دول الخليج في الشرق الأوسط تقييم فعالية جامعة الدول العربية، ثمة مؤشرات أولية على أن دول الخليج تسعى إلى تحالفات بديلة للإطار الوطني العربي: فإلى جانب مجلس التعاون الخليجي، تربط هذه الدول تحالفات خارج العالم العربي، كتحالف الإمارات والبحرين مع إسرائيل (اتفاقيات إبراهيم)، وتحالف السعودية مع باكستان (اتفاقية دفاع مشترك).

إن مستقبل جامعة الدول العربية، وهي مؤسسة عتيقة وغير ضرورية، غير واضح، فقد تأسست في حقبة النضال ضد الاستعمار والحروب ضد "إسرائيل"، واليوم يواجه الشرق الأوسط تحديات مختلفة تماماً: الصراع السني الشيعي، و"مكافحة الإرهاب"، والمصالح المحلية للدول القومية، وهي ساحات لا تكاد الجامعة تملك فيها أي نفوذ.

المصدر: "معاريف"/ "يارون فريدمان"، باحث ومدرس للغة العربية في قسم دراسات الشرق الأوسط والإسلامية بجامعة حيفا، وهو مؤلف كتابي "العلويون في سوريا: الدين والتاريخ والهوية" و"الشيعة في فلسطين" (دار بريل للنشر)، ومحرر النشرة الإخبارية "هذا الأسبوع في الشرق الأوسط"،