ترجمة الهدهد

أوضحت تصريحات وزير "الجيش الإسرائيلي" الأخيرة استراتيجيته في لبنان، صحيح أن "قوات الجيش" تشن هجوماً على لبنان اليوم، لكنها تفعل ذلك بذريعة دفاعية، الهدف هو إنشاء منطقة عازلة جغرافية تُبعد حزب الله عن المستوطنات الشمالية، ويختلف عرض هذه المنطقة باختلاف التصريحات، فمنها ما يُعرف بخط الليطاني وفقاً لـ "وزير الجيش"، ومنها ما يُعرف بـ"خط مدى الدبابات" وفقاً لتصريحات "الجيش الإسرائيلي".

على أي حال، هذه استراتيجية خاطئة، تعود جذورها، كما يُقال، إلى الحرب السابقة، ففي تسعينيات القرن الماضي، أثبت الحزام الأمني في لبنان فشله، فعلى الصعيد السياسي، ساهم وجود "الجيش الإسرائيلي" في لبنان في ترسيخ حزب الله على الخريطة السياسية اللبنانية كحركة مقاومة شعبية، أما على الصعيد العسكري، فكلما كان "الجيش الإسرائيلي" متفوقًا في حرب العصابات البرية، كان حزب الله يلجأ إلى استخدام الصواريخ، فيقصف المستوطنات الشمالية ويفرض قواعد غير عادلة على "إسرائيل"، هذه هي التفاهمات التي تم التوصل إليها بعد عمليتي "المساءلة" (1992) و"عناقيد الغضب" (1996)،

تجاوزت الصواريخ بعيدة المدى المنطقة الأمنية، ونقلت القتال إلى المستوطنات الشمالية، لاحقًا، أُضيفت صواريخ مضادة للدبابات، والتي، من وجهة نظر العدو، حاكت ضعفه أمام قوة "الجيش الإسرائيلي" في المواجهات المباشرة، وحوّلت مواقع "الجيش الإسرائيلي" في الميدان إلى أهداف بعيدة المدى، مع احتفاظ العدو بمسافة آمنة، حتى خلال حرب الاستنزاف التي امتدت طوال عام 2024 وحتى عملية "سهام الشمال"، كانت صواريخ حزب الله المضادة للدبابات السلاح الرئيسي لضرب المستوطنات الشمالية الخالية، والخطر الأكبر على قواتنا.

نقطة ضعف أخيل

إذن، تُشكّل الأسلحة بعيدة المدى نقطة ضعفٍ رئيسية في تحدّي حماية سكان الشمال، لكن في السنوات الأخيرة، ظهر بُعدٌ جديدٌ للحرب يُعيد تعريف طبيعتها، هذا البُعد الجوي الجديد، المتمثل في الطائرات المسيّرة، بعيد المدى، وأرخص ثمناً، وأكثر فتكاً من عالم الصواريخ والقذائف المضادة للدبابات، خلال العامين الماضيين، نجح الأوكرانيون في وقف تقدّم الجيش الروسي على أراضيهم، مُلحقين به مئات الآلاف من الخسائر البشرية، ومُدمّرين عشرات الآلاف من المركبات المدرعة وغيرها، وذلك من خلال الاستخدام المكثف والذكي لملايين الطائرات المسيّرة الصغيرة الرخيصة المتفجرة.

لا تتأثر الطائرات المسيّرة بتضاريس الأرض، فتشغيلها عبر الألياف الضوئية يعزلها عن التشويش الإلكتروني، ومسارات طيرانها غير متوقعة ومنخفضة الارتفاع عمومًا، تحدد هذه الطائرات أهدافها وتختار مسارات هجوم فعّالة بطريقة تُحيد معظم التكتيكات المألوفة للاحتماء والاختباء، ورغم أن "الجيش الإسرائيلي" والعالم قد طورا بالفعل مجموعة متنوعة من التدابير والتقنيات المضادة، إلا أن التحدي لا يزال قائمًا دون حل حقيقي، تتميز الجبهة في أوكرانيا بمنطقة موت يبلغ عرضها حوالي 30 كيلومترًا، حيث يكاد يكون من المستحيل على أي مركبة أو شخص التحرك فيها دون أن يتم رصده ومهاجمته من الجو، كما تخترق عمليات الطائرات المسيّرة الأوكرانية الخاصة عشرات الكيلومترات داخل الأراضي الروسية المحتلة.

إذا سمحنا لجيش حزب الله، الذي يتمركز معظم قوته اليوم في الجنوب، بالبقاء في هذه الحرب كقوة منظمة، فإننا سنمنحه هدية استراتيجية نادرة، ففي ظل سيطرتنا على منطقة عازلة، ستُحل مشاكله السياسية سريعًا في مواجهة ما سيصوره على أنه استمرار لـ "الاحتلال الإسرائيلي" لجنوب لبنان، أما على الصعيد العسكري، فستتحول المنطقة العازلة إلى ميدان لتدريب الطائرات المسيرة، وستُقابل ردود أفعالنا القاسية بإقحام المستوطنات الشمالية في المعادلة، كما حدث في التسعينيات، من يشتاق إلى مفهوم المنطقة الأمنية القديمة ينسى الديناميكيات التي أجبرت إسرائيل فعليًا على الانسحاب.

عدو ضعيف للغاية

لكن الصورة الاستراتيجية ليست قاتمة على الإطلاق، فقد أظهر حزب الله بالفعل تطوراً سريعاً في الأسابيع الأخيرة، لا سيما في مجال الحوامات، لكن وفقاً لتقارير "الجيش الإسرائيلي" ونتائج معارك مارس، لا يزال عدواً ضعيفاً للغاية، إن جرأته على نشر كامل قوته في الجنوب، بناءً على طلب طهران، تُعد فرصة ذهبية لـ "الجيش الإسرائيلي"، ما هو مطلوب من القيادة السياسية هو أمر واضح بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم، حينها سيركز "الجيش الإسرائيلي" بشكل أقل على الاستيلاء على قمم الجبال الرئيسية، وأكثر على ملاحقة العدو وتدميره.

لم يُستخدم مفهوم النصر قط في "العقيدة الأمنية الإسرائيلية" لوصف نصرٍ كامل أو إنجازٍ يدوم لأجيال، لطالما كان الهدف هو تفكيك النظام العسكري للخصم الذي يُهددنا حاليًا، وفرض إنهاء سريع للحرب بشروطنا، وإجبار العدو على بضع سنوات من إعادة التأهيل العسكري، كان الهدف من هذه السنوات هو تمكين "إسرائيل" من الاستعداد للجولة التالية.

لقد وضع حزب الله نفسه في موقفٍ لا يُحسد عليه، ومن شأن خطوة عسكرية ذكية وحاسمة أن تُؤدي إلى تدمير أهم وحداته وتشتيت ما تبقى منها، كما ستُلحق هذه الخطوة بالتنظيم هزيمة نكراء، إن هزيمته في ساحة المعركة هي أفضل فرصة لخلق الظروف التي تُمكّن الحكومة اللبنانية، هذه المرة، من الحفاظ على الوضع الذي حققته والوفاء بالتزامها بنزع سلاح الجنوب.

من المشكوك فيه أن ينعم البلد بالهدوء لـ 40 عامًا، بل من المشكوك فيه أيضًا قدرة لبنان على تحقيق الاستقرار الذي يمنع نمو أي تنظيم مسلح على أراضيه مستقبلًا، لكنّ اتباع نهج حكيم وحاسم لا يزال يحمل في طياته مزايا، فالاستراتيجية الحاسمة هي أفضل فرصة لخلق واقع تُحكم فيه الحكومة اللبنانية سيادتها، ولمنع تجدد حرب الاستنزاف في جنوب لبنان في ظل ظروف صعبة، وسنستغل فترة الهدوء الاستراتيجي هذه لإعداد "الجيش الإسرائيلي" لعصر حروب الطائرات المسيّرة.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ العميد (احتياط) "إران أورتال"، القائد السابق لمركز "دادو" في قسم العمليات، ورئيس برنامج الدراسات العسكرية في مركز "بيغن-سادات" بجامعة "بار إيلان".