ترجمة الهدهد

في الشهر الأول من الحرب، ضاعفت إيران إيراداتها من النفط ومشتقاته مقارنةً بأي شهر في السنوات السابقة، ويجدر قراءة هذه الجملة مرتين لفهم طبيعة المعركة التي نخوضها، إنها حملة اقتصادية، لن تُحسم بالوسائل العسكرية، ويبدو أن الرئيس "دونالد ترامب" نفسه بدأ يدرك صعوبة، بل ربما استحالة، فوزه بها.

تستعد إيران منذ سنوات لمثل هذه المعركة ضد أقوى قوة في العالم، وقد طورت قدراتها لشل صادرات النفط من الخليج العربي، الذي يزود العالم بنسبة 15% من استهلاكه النفطي، وتتجاوز قدراتها بكثير مجرد السيطرة على مضيق هرمز، إذ تستطيع صواريخها وطائراتها المسيرة، التي يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، شلّ حركة الملاحة التجارية في بحر العرب وخليج عُمان.

إن القدرة على شلّ حركة السفن التجارية في الممرات المائية الدولية لا تتطلب الكثير، يكفي أن تُصاب سفينة واحدة بطائرة مسيّرة أو صاروخ أو لغم إيراني، فتقوم شركات التأمين بإيقاف حركة السفن بالكامل، وقد أثبت الحوثيون في اليمن، والذين يمتلكون قدرات أقل بكثير من قدرات إيران، هذا الأمر على مدى عامين تقريبًا، ولذلك تمكنت إيران من التعافي سريعًا من الضربة الافتتاحية القاسية التي تلقتها، والتركيز بشكل أساسي على: السيطرة على صادرات الطاقة من الخليج العربي، هذه هي ورقتها الرابحة، وهي أقوى من الأسلحة النووية.

لم يكن الإيرانيون أول من أدرك قوة السيطرة على مضيق دولي، ففي الحرب العالمية الأولى، أغلق الأتراك مضيق "الدردنيل"، مانعين وصول الإمدادات إلى روسيا عبر البحر الأسود، وقرر البريطانيون غزو شبه جزيرة "غاليبولي"، الخاضعة لسيطرة مصر، لقي نصف مليون شخص حتفهم في المعركة، لكن البريطانيين لم يتمكنوا من السيطرة على مصر، أما على جانب الحلفاء، فقد قاد المعركة قائد لا يقل كفاءة عن "ترامب": الأدميرال البريطاني "ونستون تشرشل" الذي استقال من الحكومة عقب الفشل.

مع بداية الأسبوع الرابع من الحرب في إيران، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن العالم يشهد أشد اضطراب في إمدادات النفط في العصر الحديث، أشد من حظر النفط الذي فُرض عام 1973، لم يعد بإمكان العراق والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تصدير النفط والغاز عبر الخليج، وتُحاصر 800 سفينة في الحصار الإيراني المفروض على الخليج العربي، ولا تملك الولايات المتحدة القدرة العسكرية على رفع هذا الحصار.

مع ارتفاع أسعار النفط، رفعت الولايات المتحدة فعلياً العقوبات عن إيران، مما سمح لها ببيع النفط، الذي يذهب 90% منه إلى الصين، بينما توقفت صادرات دول الخليج الأخرى، وقد خفّضت إيران بالفعل الخصم الذي كانت تقدمه للصين على النفط عندما كانت العقوبات سارية، وبدأت دول أخرى بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع إيران لاستيراد النفط منها، وتفرض إيران عمولة على بعض هذه الدول، فضلاً عن ممارساتها الحمائية.

تسيطر قوات الحرس الثوري الآن على عملية التصدير بأكملها، إذ تتلقى مسبقاً بيانات أي سفينة ترغب في تحميل النفط الإيراني في ميناء خرج، وبعد حصول السفينة على موافقتهم، يمنحونها كلمة مرور، وعندما تقترب السفينة من مضيق هرمز، يُطلب منها إعطاء كلمة المرور، ثم يرافقها زورق تابع للحرس الثوري يضمن لها المرور الآمن.

في يوم الأحد وحده، تم تحميل خمس ناقلات نفط بـ 7،7 مليون برميل من النفط في جزيرة خرج، وهذا يعني عائدات لإيران بقيمة 850 مليون دولار في يوم واحد، وبهذا المعدل، قد تصل عائدات إيران النفطية إلى أكثر من تريليون دولار سنوياً.

بهذا القدر من المال، تستطيع إيران إعادة بناء كل ما تضرر جراء "الهجمات الإسرائيلية" والأمريكية عليها بسرعة، بما في ذلك صناعة الصواريخ، وصناعة الصلب، وحتى برنامجها النووي، هذه المعرفة هي أساس جرأة إيران في المطالبة بالاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز الدولي، وفرض رسوم حماية على أي سفينة ترغب في المرور عبره.

البحث عن التهديد المناسب

من الجدير بالتأكيد: مضيق هرمز ممر مائي دولي لا تملكه أي دولة، إنه ليس قناةً حُفرت كقناة السويس أو بنما، والتي تتطلب تكاليف تشغيلية، تمارس إيران هنا إرهابًا على غرار المافيا، لمجرد قدرتها على ذلك، كان هذا التحرك الإيراني متوقعًا ومعروفًا، ومع ذلك لم يجد المخططون العسكريون الأمريكيون حلاً له، حتى لو سيطرت الولايات المتحدة على السواحل التي تُسيطر على المضيق، فستظل إيران قادرة على إلحاق الضرر بالملاحة الدولية من وإلى الخليج العربي.

لهذا السبب يبحث "ترامب" عن البديل القيّم الذي سيُجبر إيران على التوقف عن استخدامه في حال تهديده، إن احتلال جزيرة خرج سيُلحق ضرراً بالغاً بالصادرات الإيرانية، إذ أن طرق التصدير البديلة جنوب مضيق هرمز تُغطي نحو 25% من النفط المُصدّر حالياً عبر خرج، كما أن احتلال خرج سيُلحق ضرراً جسيماً بالصينيين الذين يعتمدون على النفط الإيراني، إلا أن الجنود الذين سيحتلون الجزيرة سيكونون عُرضةً لجميع قدرات إيران الصاروخية والمدفعية قصيرة المدى.

إن تهديده بمهاجمة حقول النفط تهديدٌ يصعب على إيران تجاهله، وكما كتبتُ قبل أسبوعين، فإن الولايات المتحدة قادرة على الاستيلاء على نفط إيران وتحويلها إلى دولةٍ هامشيةٍ بلا عائدٍ يُذكر.

لكن "ترامب" تراجع بالفعل وأعلن استعداده للتعاون مع الإيرانيين في السيطرة على مضيق هرمز، إذا قبل بفكرة أن لإيران حق المرور عبر المضيق، فسيكون ذلك انقلابًا كارثيًا في موازين القوى بالمنطقة، وسيجعل جميع دول الخليج رهينة لرحمة إيران.

المصدر: صحيفة "معاريف" العبرية/ "ألون بن ديفيد"