ترجمة الهدهد

لم يتمكن "بنيامين نتنياهو" من التماسك حتى قبل ليلة عيد الفصح، فبدلًا من توجيه رسائل توحيدية، أصرّ على إلقاء خطاب ضد "السياسة الصغيرة"، التي لا يجسدها أحد أكثر منه.

في مساء عيد الفصح، بين صاروخ وآخر، بينما كنّا في طريقنا للاحتفال بليلة "السيدر" - طقوس يهودية تُقام في عيد الفصح، تخليداً لذكرى خروج بني إسرائيل من مصر-، نحاول تقدير الخيارات على جانب الطريق في حال اضطررنا للقفز من السيارة والتمدد بملابس العيد على الأرض المبللة، تأملت في التصريح المسجّل الذي ألقاه "بنيامين نتنياهو" في الليلة السابقة، والذي عدّد فيه الضربات التي وُجّهت إلى "محور الشر" منذ بداية الحرب.

من الصعب القول إن "بنيامين نتنياهو" كان متغطرسًا في خطابه، منفصل عن الواقع؟ نعم، وبكل تأكيد، لم يعد يبدو لي متغطرسًا منذ فترة طويلة، لكنه فعل كل ما بوسعه ليكون مستعدًا مسبقًا لقرار "دونالد ترامب" إذا قرر الرئيس المتقلّب، كما أثبت مجددًا في خطابه فجر أمس، إنهاء الحرب – فنحن انتصرنا، و"نتنياهو" قال ذلك أولًا، وإذا قرر العكس – تصعيد الحرب وإطالتها – فبإمكانه دائمًا تقديم هذا الخطاب كخطاب "تشرشلي" آخر لزعيم في خضم حرب، "ترامب" لم يُخيّب، لقد قال الأمرين معًا.

من الصعب الاستماع إلى خطابات النصر، بينما تظهر في الوقت نفسه أسماء البلدات المستهدفة على جانبي الشاشة، وحين لا يملك ثلثنا ملاجئ، وعشرات الآلاف لا يملكون حتى الوقت للعثور على واحد، كما يصعب أيضًا الاستماع مجددًا إلى الحديث عن “الإنجازات الكبيرة” التي حققها "بنيامين نتنياهو" خلال العامين والنصف الماضيين، وعن قدرته على الصمود أمام قرارات مصيرية، في حين أن بعضها محل خلاف، وبعضها بعيد عن الواقع، مثل إصراره – كما يُقال – على إعادة جميع مختطفينا حتى آخر واحد منهم، وعدم القبول بصفقات جزئية.

يبدو لي أن ما يُنتظر من قائد في مثل هذه المرحلة هو أن يلقي خطابًا موحِّدًا، يركّز أساسًا على تشجيع الشعب وتعزيزه، خطابًا يبتعد عن أي نوع من التحريض أو الانقسام أو الخطاب المتشنج، حتى وإن لم يكن كله انحناءً أمام “الضربات العشر” التي وُجّهت لأعدائنا، فعليه أن يجرؤ على طرح الأسئلة البديهية مثل: إلى أين يتجه كل هذا – نحو تسوية أم تصعيد؟ متى سينتهي؟ ما هي نقطة الخروج؟ وهل حققنا أهدافنا، أم أننا محكومون بالخروج إلى جولة أخرى موسّعة من المعركة نفسها خلال بضعة أشهر، كما حدث بعد الحرب الأخيرة التي “انتصرنا” فيها، ودمّرنا وسحقنا، وقبل كل شيء أعدنا أعداءنا سنوات طويلة إلى الوراء؟

لكن "بنيامين نتنياهو" هل يستطع أن يتمالك نفسه، الأمر ببساطة أكبر منه، وفي ختام تصريحه، توجّه إلى وسائل الإعلام ليسأل “جالسي الاستوديوهات وناطقي المعارضة” سؤاله اللاذع: “ماذا حدث لكم؟”، قال ذلك وهو يهزّ جسده بطريقة مسرحية، وبنبرة صادمة، في إشارة إلى أن شيئًا خطيرًا قد أصاب الإعلام، أمر لا يليق بحجم اللحظة، وكأن هناك خللًا أصابه.

بكلمات أخرى: أنتم، رجال الإعلام، الذين كان يُفترض بكم في أيام معركة وجودية أن ترفعوا معنويات الشعب لا معنويات العدو، كان عليكم أن تتماهوا مع “روح الشعب، روح البطولة، وروح النصر لمقاتلينا العظماء”، أي أن "بنيامين نتنياهو" يقرّر أن الإعلام لا يقوم بدوره في رفع معنويات الجمهور، بل على العكس، وأنه غير متصل بروح الشعب – ذلك الشعب الذي يركض إلى الملاجئ بفرح، ويقدّم أبناءه بمحبة ورغبة من أجل حرب جديدة في لبنان ستنتهي كما انتهت سابقاتها، لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئًا؛ فهذه هي الرسائل التي تُبث منذ فترة طويلة عبر القنوات الموالية وأبواق رئيس الحكومة: هذه الحرب “رائعة”، لا تحمل إلا إنجازات، والآن اركضوا بفرح وسعادة إلى الملاجئ.

ولا حاجة للإسهاب في مدى عبثية هذا المطلب من "نتنياهو"، خاصة وأنه من الواضح أنه لو كان الآن في صفوف المعارضة، لما توقف عن الانتقاد، والتقليل، والجدال، والبحث عن الثغرات، والمطالبة بالاستقالة، والإعلان عمّا كان سيفعله لو كان مكان رئيس الحكومة.

سياسة صغيرة

لكن ما أثار الغضب بشكل خاص هو العبارة: “بدل الانجرار إلى سياسة صغيرة”، أي أن رئيس حكومة، الذي ينشغل حتى في زمن الحرب بكل لحظة من وقته بالسياسة الصغيرة، والذي تكاد كل قراراته تكون مشبعة بالسياسة – صغيرة كانت أم كبيرة – ما دام الهدف هو إبقاؤه على كرسي رئاسة الحكومة، يتهم الآخرين، سواء كانوا صحفيين أو محللين أو متحدثين أو أعضاء في اللوحات الحوارية، بممارسة السياسة، وذلك في الوقت الذي قامت فيه الائتلاف، في الليلة السابقة، بتمرير خطوة مثيرة للجدل، تم خلالها تحويل نحو 800 مليون شيكل لصالح الأحزاب الحريدية، خلافًا لرأي المستشارات القانونيات، ومن دون علم أعضاء المعارضة، وكأن هذه الأحزاب لم تحصل مسبقًا على مليارات مقابل تصويتها على الميزانية، ما ضمن استمرار الولاية الرابعة لهذه الحكومة.

في ختام التصويت، لم يخجل أعضاء الائتلاف من التقاط صورة “سيلفي” متعجرفة ومنفصلة عن الواقع، تعبّر عن شماتة بـ "ملايين الإسرائيليين"، ويتباهون فيها بالخطوة التي مرّروها على حساب المقاتلين وعائلاتهم الذين ينهارون تحت العبء، سيلفي أعادت إلى الأذهان سيلفي أخرى، منفصلة ومتعجرفة أيضًا، التُقطت بعد إقرار قانون إلغاء “حجة المعقولية”، قبل 7 أكتوبر، حين كان ضباط كبار في الجيش ينتظرون عند أطراف قاعة الهيئة العامة لشرح تداعيات القانون المدمّرة لصنّاع القرار السياسي، لكنهم رفضوا حتى الاستماع إليهم.

هل يمكن أصلًا تقدير ما يفعله هذا معنويًا، يا سيد رئيس الحكومة، لجنود الاحتياط، وللعسكريين في الخدمة الدائمة، ولأفراد عائلاتهم، ولمواطني الدولة العاملين الذين يكافحون اليوم لتأمين معيشة عائلاتهم، ولسكان الشمال الذين لم يعودوا إلى بيوتهم بعد، والذين يرون هذه الأموال التي تم تمريرها بهدف تشجيع التهرّب، ولكل مواطن يشعر أن هناك من يبصق في وجهه؟ فهل تتحدث عن المعنويات؟ هل تجرؤ على مطالبتنا بالاتصال بروح النصر لـ“مقاتلينا العظماء”، من جندي المشاة الذي يندفع في غزة ولبنان، إلى الطيار الذي يعبر سماء طهران؟

أنت "بنيامين نتنياهو" تتحدث عن الطيارين؟ تعظنا بشأن موقفنا من الأبطال؟ هل تظن أننا نسينا ما قيل عنهم في حكومتك؟ “رافضون”، “فوضويون”، “خراج”، “اذهبوا إلى الجحيم”، وحتى أنت، نتنياهو، قلت إن الدولة يمكن أن تستغني عن بعض الأسراب، لكنها لا يمكن أن تستغني عن الحكومة، والآن تذكّرت؟

وهذا المشهد الفجّ يأتي بعد وقت قصير من إعلان رئيس الأركان أمام الكابينت أنه بحاجة إلى 15 ألف جندي، وفي المقابل، يتلقى في وجهه تمرير أموال لمن يشجّعون التهرّب، بل ويفعلون كل ما بوسعهم حتى لا يكون من المجدي حتى للمتدينين الذين يرغبون في التجنيد أن يفعلوا ذلك، ولكي لا يُحرَم أي وزير، سارع نتنياهو بنفسه بعد هذا التصويت المثير للجدل إلى الهيئة العامة لتمرير قانون يوصف بأنه عنصري ومتدنٍ وبدائي، يميّز بين دم يهودي ودم عربي، وهو قانون عقوبة الإعدام.

هذه هي ملامح حكومتنا، وهذه هي صورتنا أمام العالم

المصدر: "يديعوت احرنوت"/ "سيما كيدمون"