ترجمة الهدهد

لعقودٍ طويلة سعينا لإعادة تشكيل الفضاء اللبناني، وصولاً إلى نهر الليطاني، وعلى قمة "بوفورت".

تُذكّرنا الحرب الحالية مع كامل الاحترام للتكنولوجيا (وهو احترامٌ لها بالفعل)، بأنّ للجغرافيا تأثيراً لا يقلّ أهمية، هذا صحيحٌ في مضيق هرمز وفي المناطق أخرى.

استغرق الأمر منا سنوات عديدة لتطهير الضفة الغربية من "المجموعات المسلحة"، ولم تكتمل المهمة بعد، يمكن عزل غزة، لكن لبنان ساحة مختلفة تمامًا: بلد شاسع مفتوح، ذو حدود متعددة في الجو والبر والبحر، ولذا يتطلب استجابة مختلفة، وهذا ينطبق بشكل خاص على منطقة الخليج العربي.

لا يُفهم الفرق دائمًا بين سبتمبر 2024 (عملية السهام الشمالية) والواقع الحالي، ففي سبتمبر شنّ "الجيش الإسرائيلي" العملية، لكن حزب الله فوجئ ولم يكن مستعدًا لاحتمال حدوث اختراق عميق في قيادته، ولذلك فشل في تحقيق هدفه.

هذه المرة انقلبت الصورة: كان حزب الله يستعد لهذا السيناريو تحديدًا، وفي لحظة الحقيقة اختار المبادرة، ولهذا السبب تمكن من العمل بفعالية حتى في مواجهة "آلة الحرب الإسرائيلية" فكما أطلق "الجيش الإسرائيلي" قبل 24 عامًا "درعًا دفاعيًا" - واستغرق ذلك سنوات - وكما تستمر العمليات في غزة بمرور الوقت، كذلك هنا أيضًا: علينا أن نأخذ في الحسبان ليس فقط الحيز الجغرافي، بل أيضًا بُعد الزمن.

ربما كان جدار "زئيف جابوتنسكي" الحديدي آخر مرة استخدمت فيها "إسرائيل" الوقت ليس فقط كمتغير ولكن كأداة استراتيجية رئيسية.

كانت الفكرة بسيطة، بل قاسية في بساطتها: ليس إقناع الخصم، بل تحطيم آماله، بناء واقع ذي قوة منيعة - "جدار حديدي" - تُسحق أمامه محاولات المقاومة مرارًا وتكرارًا، فقط عندما يُدرك الطرف الآخر استحالة النصر، سيتوقف عن الحلم بالتوصل إلى نصر، ويصبح مستعدًا للانتقال إلى المفاوضات، لم تكن هذه استراتيجية نصر فوري أو كامل، بل استراتيجية تآكل تدريجي للإرادة.

هذا بالضبط ما حدث

بين عامي 1948 و 1973، واجهت "إسرائيل" تحالفات عربية حاولت هزيمتها بالقوة: حرب 48، وعملية قادش، وحرب الأيام الستة، وحرب الاستنزاف، وحرب 73 - حملات واسعة النطاق شارك فيها مئات الآلاف من الجنود وآلاف الدبابات والطائرات.

بعد عام 1973، حدث تغيير عميق - ليس تكتيكياً، بل واعياً، تدريجياً، أدرك العالم العربي أن "إسرائيل" لا يمكن هزيمتها عسكرياً ولن تنهار بالإرهاق.

وكانت النتيجة مذهلة:

  • 1979 — اتفاقية سلام مع مصر.
  • 1994 — اتفاقية سلام مع الأردن.
  • 2020 — "اتفاقيات أبراهام".

لم يقتصر دور الجدار الحديدي على خلق الردع فحسب، بل غيّر قواعد اللعبة أيضاً.

اختارت إيران استراتيجية معاكسة

اختارت إيران أن تنتصر في غضون فترة زمنية محددة، فمن خلال بناء شبكة من الحلفاء، والاستنزاف المستمر، وخلق ضغط متعدد القنوات، تسعى إلى خلق واقع يكون فيه الوقت في صالحها، وقد دفعها نجاح هذا المشروع إلى الاعتقاد بإمكانية إعادة إحياء فكرة الحسم، وإعادة بناء تهديد استراتيجي تراكمي لـ "إسرائيل".

إن واقع السنوات الأخيرة يعيدنا إلى فهم "جابوتنسكي" العميق: لتغيير الواقع، يجب على المرء أن يكسر الإرادة، لا يحدث ذلك في يوم واحد، في المرة السابقة استغرق الأمر حوالي 25 عامًا، قد يستغرق الأمر وقتًا هذه المرة أيضًا، ولذلك يلزم التحلي بالصبر الاستراتيجي، ولكن لا يقل أهمية عن ذلك كله – "بن غوريون".

أدرك "بن غوريون" أن الاستراتيجية الأمنية لا تنتهي عند ساحة المعركة، بل تتطلب بناء قوة داخلية مستمرة، ليس فقط للقضاء على الشر، بل لمضاعفة الخير.

وقد تصرف وفقاً لذلك:

  • استيعاب الهجرة الجماعية ومضاعفة عدد السكان.
  • إنشاء البنى التحتية الوطنية.
  • الاستثمار في التعليم والعلوم.
  • بناء ميزة نوعية لـ "الجيش الإسرائيلي" والاقتصاد.

ببساطة: بينما كان "العدو" يتآكل، كانت "إسرائيل" تُبنى.

الاستراتيجية الكبرى: الوقت كمساحة للعمل

إن الجدار الحديدي ليس مجرد تصور للقوة، بل هو تصور للزمن، القدرة على الصمود لسنوات، واستيعاب التحديات، والمثابرة، وفي الوقت نفسه بناء ميزة تراكمية حتى يتغير الواقع نفسه، هذا هو الفرق بين النصر في المعركة والنصر التاريخي، ففي مواجهة تحدي المساحة الجغرافية، يجب علينا أيضًا تفعيل بُعد الزمن. التهديدات لا تختفي، بل تتغير، وأهم تغيير هو تغييرنا نحن، تغيير في المبادرة، في العمق، في التفكير الاستشرافي، أن نكون لا مجرد متفاعلين، بل صانعين متقدمين بخطوتين على العدو.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "شاحر سيغال" مستشار للمنظومة الاستراتيجية