ترجمة الهدهد

لطالما هددت إيران بتدمير "دولة إسرائيل"، من جانبها انتظرت "إسرائيل" سنوات طويلة فرصة عملية لضرب القدرات النووية والتقليدية الإيرانية.

سنحت هذه الفرصة قبل نحو عام في حرب الأيام الـ 12 خلال الحرب، هاجمت طائرات "القوات الجوية" البنية التحتية الإيرانية للصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة، وانضمت الولايات المتحدة لاحقًا وألحقت أضرارًا جسيمة بالمنشآت النووية، وخرجت "إسرائيل" والولايات المتحدة من الحملة بشعور بالنصر، ظنًا منهما أن القدرات الإيرانية قد حُرمت منها لسنوات عديدة.

وهم وانهيار المفهوم

لكن الواقع كان مختلفاً تماماً، فبمساعدة صينية وروسية، تمكن الإيرانيون من استعادة قدراتهم التقليدية في غضون 8 أشهر فقط، وهو ما يشكل بحد ذاته تهديداً وجودياً لـ "إسرائيل"، وخلافاً لتصريحات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بشأن إزالة الأسلحة النووية، تبين أن إيران لا تزال تمتلك 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية كافية لصنع 11 قنبلة ذرية في غضون أسابيع قليلة إلى عام.

إذا كانت الكراهية الإيرانية لـ "إسرائيل" متأججة قبل حرب الـ 12يوما"، فقد تجددت الرغبة في الانتقام في قلوبهم بعدها، والآن، يتمثل دافعهم في التسابق لإنتاج قنابل نووية دون التردد والعقبات التي ميزتهم في الماضي.

فشل حملة "ترامب" واستراتيجيته

عندما أدركت الولايات المتحدة و"إسرائيل" أن إيران لا تزال تشكل تهديدًا، قرر "ترامب" إيقاف النظام بأي ثمن، كانت مطالبه واضحة: تسليم جميع اليورانيوم المخصب، ووقف إنتاج الصواريخ بعيدة المدى، وإنهاء دعم الحلفاء في الشرق الأوسط، ولما رفض الإيرانيون، شنّ "ترامب" حربًا تهدف إلى القضاء على الحكم في إيران وإحداث تغيير في النظام.

لم ينجح هذا المسار، لم يُسقط النظام فحسب، بل إن صعود "الحرس الثوري" إلى الحكم المباشر خلق قيادة أكثر تطرفًا، ورغم الدمار الهائل الذي ألحقته القوات الجوية الأمريكية و"الإسرائيلية" على مدار شهر، لم يستسلم الإيرانيون، بل مارسوا ضغطًا أخطأ "ترامب" في تقديره: حصار مضيق هرمز، الذي تسبب في أضرار اقتصادية عالمية جسيمة، وتحت ضغط داخلي شديد في الولايات المتحدة، رضخ "ترامب" ووافق على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مقابل فتح المضيق

لم يُسفر وقف إطلاق النار هذا عن أي تنازلات إيرانية في أي مجال: لا في مجال الصواريخ، ولا في تخصيب اليورانيوم، ولا في "دعم الإرهاب"، بل على العكس يطالب الإيرانيون بتعويضات عن أضرار الحرب، ورفع العقوبات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ومن المرجح أن تحصل إيران، في المفاوضات المقبلة إن جرت، على رفع العقوبات مقابل "تعليق" مؤقت فقط للقضايا المطروحة، على أساس أنه بعد انتهاء ولاية "ترامب"، لن يُقدم الرئيس الأمريكي الجديد على حرب أخرى خلافًا للرأي العام، وبالتالي ستتمكن إيران من انتهاك الاتفاقيات تدريجيًا ولكن بثبات.

لقد قام "ترامب" بتكرار السيناريو الذي قام به ضد حماس في غزة والحوثيين في اليمن - لقد استبعدنا من الصورة

بعد ساعات قليلة من إعلان وقف إطلاق النار، بات واضحًا أنه على وشك الانهيار، ومع ذلك سواء صمد أم لا، فقد تعلمنا درسًا بالغ الأهمية مرة أخرى: "ترامب" يتصرف لمصلحته ومصلحة الولايات المتحدة، لا لمصلحة "إسرائيل"، وقد يكون مستعدًا للتخلي عن "إسرائيل" في أي لحظة يراها مناسبة، كما فعل سابقًا، لذلك، حتى لو استمرت الجرب ضد إيران، كما يأمل قطاع كبير من " الإسرائيليين"، يجب أن ندرك احتمال أن يتخلى "ترامب" عنا في أي مرحلة، باختصار، قد تجد "إسرائيل" نفسها الخاسر الأكبر في حرب كانت تأمل فيها اغتنام فرصة ذهبية لهزيمة النظام الإيراني.

إذا استمر وقف إطلاق النار وأدى إلى اتفاق، فستجد "إسرائيل" نفسها أمام "نصر باهظ الثمن"، والعواقب وخيمة: نظام متطرف وقاسٍ: نحن نواجه نظام الحرس الثوري، الذي سينقض أي اتفاق بمجرد زوال الضغط الفوري الذي يمارسه "ترامب".

تهديد متعدد الجوانب غير مسبوق:

إيران النووية التي تمتلك آلاف الصواريخ، إلى جانب تركيا التي تكتسب قوة في تحالف مع باكستان النووية، ومصر التي أدارت ظهرها لـ "إسرائيل" وتحتفظ بجيش ضخم يتدرب على سيناريو حرب ضدنا.

الحلفاء:

حزب الله، والجماعات في العراق، والحوثيون، وحماس، وعشرات الآلاف داخل "إسرائيل"، سيواصلون تهديد "إسرائيل".

إذا انهار وقف إطلاق النار نهائياً، واستأنفت الولايات المتحدة القتال أو شددت العقوبات على إيران، فعلى "إسرائيل" أن تأخذ في الحسبان احتمال تخلي "ترامب" عنه في منتصف الطريق، نتيجةً لتغليب مصالحه الشخصية على التحالف مع إسرائيل، وهي خطوة لن تُخفف من معاناة "إسرائيل".

يجب على "إسرائيل" أن تستيقظ وتستعد لما هو قادم، إعادة بناء التحالفات: يجب علينا استعادة الدعم الحزبي في الولايات المتحدة وإعادة التواصل مع الحزب الديمقراطي حتى لا نترك وحدنا في اليوم التالي لـ "ترامب".

التحالفات الإقليمية: تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية والدول العربية التي تأثرت بإيران في حرب "هاري بوتر".

الساحة الدولية: تحسين عاجل للعلاقات مع أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

المرونة الوطنية: الاستعداد الفوري على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في مواجهة العاصفة القادمة.

المحور الجديد للشر (الصين وروسيا وإيران): من المهم التأكيد على أن إعادة الإعمار السريعة لإيران خلال 8 أشهر ليست مصادفة، بل هي نتاج تحالف استراتيجي تُقدّم فيه إيران الطاقة وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، وتحصل في المقابل على حماية سياسية في مجلس الأمن وأنظمة دفاع جوي متطورة (مثل منظومة إس-400)، بالإضافة إلى المساعدة في إعادة بناء منظومة الصواريخ.

فقدان الردع التكنولوجي: أثبتت الحرب أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يكفي لهزيمة نظام أيديولوجي مستعد لتحمل الدمار، يجب على "إسرائيل" الانتقال من مفهوم "إدارة الصراع" والهجمات الموجهة إلى مفهوم بناء قوة برية ودفاع داخلي متعدد الطبقات، يشمل ليزرًا قويًا قادرًا على توفير رد فعال على الصواريخ الباليستية بتكاليف أقل بآلاف المرات من صواريخ "حيتس" ومقلاع داود و"تامير".

الاقتصاد كسلاح: أثبت حصار مضيق هرمز أن العالم الغربي، وخاصة الولايات المتحدة، أكثر حساسية لأسعار النفط من أمن الشرق الأوسط، ينبغي لـ "إسرائيل" أن تضع في اعتبارها أنها، إذا كانت هي المسيطرة، قد تجد نفسها وحيدة في المعركة إذا تضررت المصالح الاقتصادية العالمية.

الساحة الداخلية: "وجود عشرات الآلاف من العرب داخل "إسرائيل" أمر بالغ الأهمية، يجب التأكيد على أن الجبهة الداخلية ستكون محور الحرب الإقليمية القادمة.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ اللواء (احتياط) "يتسحاق بريك"