ترجمة الهدهد

برزت باكستان كإحدى أهم القوى الإقليمية في الآونة الأخيرة، بفضل إدارتها للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، فبعد نجاحها في التوصل إلى وقف إطلاق النار في الحرب، يُتوقع أن تستضيف هذه الدولة الإسلامية العملاقة، التي تمتلك أسلحة نووية، المفاوضات، ما يُرسخ إنجازها الجيوسياسي المهم، ومكانتها كإحدى أهم دول المنطقة.

بينما كان العالم يستعد لأسوأ السيناريوهات، وجّه رئيس الوزراء الباكستاني "شهباز شريف" نداءً علنياً إلى الطرفين للاتفاق على وقف إطلاق النار لإتاحة المزيد من الوقت للتوصل إلى حل نهائي للحرب، وقد مهّدت هذه الخطوة، التي تسببت في تراجع حاد في أسعار الأسهم الأمريكية، الطريق أمام "ترامب" لإعلان وقف القتال بعد ساعات من محادثات مع شريف والمشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني والذي يُعتبر أقوى رجل في البلاد.

بعد ذلك بوقت قصير، أشاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بدور شريف ومنير في التوسط في المحادثات، وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يؤكد فيه الاتفاق، أعرب عراقجي عن "شكره وتقديره لإخوانه الأعزاء" على "جهودهم الدؤوبة لإنهاء الحرب في المنطقة".

تُكمل باكستان عاماً حافلاً بالإنجازات في إدارة علاقاتها الخارجية - مع تحقيق إنجازات حقيقية في المواجهة العسكرية الدرامية مع الهند في مايو 2025، وتعزيز العلاقات مع دول مهمة مثل الصين والمملكة العربية السعودية وتركيا، والتقرب من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" - وبلغت ذروتها في إدارة المحادثات لإنهاء الحرب في إيران.

بالرغم من المشاركة العلنية الواسعة لرئيس الوزراء الباكستاني "شهباز شريف"، فإنّ من يدير فعلياً المحادثات والاتصالات، ويحكم باكستان بحكم الأمر الواقع، هو قائد الجيش عاصم منير، وقد التقى منير بنفسه مع ترامب في البيت الأبيض خلال الأشهر الماضية، وناقش معه خطة السلام في غزة، كما تمكّن في الأشهر الأخيرة من تمرير تشريع في البرلمان الباكستاني يضمن له استمرار سيطرته العملية على البلاد.

بعد المواجهة القصيرة مع الهند في مايو الماضي، دعمت باكستان جهود "ترامب" للتوسط في اتفاق سلام بين البلدين، بل ورشحته لجائزة نوبل للسلام، على عكس الهند التي أوضحت أن الأمر "نزاع بين البلدين"، وصرح رئيس الوزراء مودي بأن الولايات المتحدة لا علاقة لها به، وخلال زيارات منير الأخيرة إلى واشنطن، وصفه ترامب بأنه "قائدي الميداني المفضل".

مصالح باكستان

تتمتع باكستان بعلاقات تاريخية ودية مع إيران ودول الخليج، التي تضررت جراء هجمات طهران الإقليمية وحصار مضيق هرمز، كما تربطها اتفاقية دفاعية مع السعودية وقعتا العام الماضي، وسعت باكستان جاهدةً لمنع أي تدهور قد يجرها إلى صراع.

وبعيداً عن الاعتبارات الجيوسياسية، فإن لباكستان أيضاً مصالح اقتصادية واضحة: فقد أدى حصار مضيق هرمز إلى تعطيل إمدادات الطاقة العالمية وجعلها عرضة للخطر، نظراً لاعتمادها على النفط المستورد والغاز الطبيعي المسال القادم من الخليج والذي يمر عبر هذا الطريق البحري.

حتى قبل اتفاق وقف إطلاق النار، كانت إيران قد وافقت بالفعل على السماح بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز "بالتنسيق مع قواتها المسلحة"، مما سمح بمرور 20 سفينة باكستانية، وفي الوقت نفسه، تواصلت باكستان مع تجار السلع العالميين لبحث إمكانية عبور السفن للمضيق تحت العلم الباكستاني بشكل مؤقت.

اكتسب الاتفاق أهمية إضافية بعد فشل باكستان مؤخرًا في التوصل إلى اتفاق مع الإمارات العربية المتحدة بشأن تمديد قرض بقيمة 3 مليارات دولار، الأمر الذي أثر على نحو 12% من أرصدتها وضغط على العملة المحلية، وقد انخفض مؤشر بورصة كراتشي 100 المحلي بنحو 13% منذ بداية العام، كما ساهمت اضطرابات إمدادات الطاقة في ارتفاع التضخم.

أثرت التطورات الأخيرة سلباً على الانتعاش الاقتصادي في باكستان، وكان الاقتصاديون يتوقعون عاماً ثانياً من النمو بعد انكماش في عام 2023، وظلت العملة المحلية مستقرة نسبياً في السنوات الأخيرة بفضل المساعدات المقدمة من دول صديقة مثل الصين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

في الأسبوع الماضي، ألغت باكستان الدعم العام للوقود ورفعت أسعار الديزل والبنزين لأول مرة منذ نحو شهر لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، والآن، مع وقف إطلاق النار، تسعى باكستان إلى تخفيف الضغط الاقتصادي والاستفادة من موقعها الجيوسياسي الجديد.

مشاركة الصين

بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وافقت إيران على مقترح وقف إطلاق النار بعد تدخل صيني في اللحظات الأخيرة، حيث طلبت منها إبداء مرونة وخفض حدة التوتر، وصرح ترامب لوكالة "فرانس برس" بأنه يعتقد أن الصين كانت وراء موافقة إيران على وقف إطلاق النار، وذلك عقب زيارته للصين ولقائه بالرئيس شي جين بينغ في منتصف مايو/أيار.

منذ بدء النزاع، أجرى وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" 26 اتصالاً هاتفياً مع أطراف مختلفة، من بينها إيران و"إسرائيل" وروسيا ودول خليجية، وفقاً لما صرّح به مسؤولون في بكين لوكالة "بلومبيرغ"، وفي الأسبوع الماضي، أصدرت الصين وباكستان مبادرة من 5 نقاط تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز.

تشير التقديرات إلى أن الصين وروسيا، وربما دول أخرى أعضاء في مجلس الأمن الدولي، ستشارك في المحادثات المقبلة، وقد يُصعّب انخراط الصين على الولايات المتحدة و"إسرائيل" اتخاذ أي إجراء عسكري ضد إيران في المستقبل، نظراً للجهود المبذولة لتعزيز المفاوضات.

المصدر: "القناة 12"/ "أساف روزنزويغ"