هل يجوز الاعتقاد بأن التجربة الصهيونية قد فشلت؟
ترجمة الهدهد
من المشكوك فيه أن يدرك معظم "الإسرائيليين" مدى اتساع حملة النبذ والتشهير التي تلاحق كيانهم حالياً في مختلف أنحاء العالم؛ إذ لم يسبق أن وصل الوضع إلى هذا المستوى من التردي.
فلو وُجد "إسرائيلي" وإيراني في أي مكان في العالم اليوم، لكان نصيب "الإسرائيلي" من الاشمئزاز والرفض أكبر بكثير، حيث بات الكثيرون يعتقدون أن "إسرائيل"، لا إيران، هي التهديد الأكبر للسلام العالمي.
هذا التحول ليس مجرد موجة "معاداة للسامية"، بل هو نتيجة لسياسات "إسرائيل" التي جلبت الكراهية لنفسها، فمشاهد ملايين النازحين الذين يتنقلون في أرجاء الشرق الأوسط بسبب أفعالها جعلت من المستحيل تبرئتها أو عدم إلقاء اللوم عليها،
وثمة فارق جوهري في النظرة العالمية، فبينما لا يُحمل معظم الإيرانيين جرائم نظامهم ويُنظر إليهم كمعارضين له، يُنظر إلى كل يهودي "إسرائيلي" -عن حق- كشريك أصيل في النظام، فالغالبية العظمى من "المجتمع الإسرائيلي" تؤيد الحروب والعمليات الوحشية دون معارضة حقيقية تذكر، وكانت النتيجة الحتمية لهذا التأييد المطلق هي تصاعد كراهية العالم لهم،
يوماً ما، حين يُحاسب المسؤولون عن تدني مكانة "إسرائيل"، ستلعب المعارضة دوراً محورياً،
"يائير لابيد" الذي يُنشئ "مكتباً إعلامياً" للحرب، يُعلن للعالم: "الحروب تُشن باسمنا جميعاً، كلنا نؤيدها، كلنا نؤيد الحرب في إيران، والقصف في لبنان، وحرب الإبادة في غزة، المقاومة الوحيدة موجودة في إيران".
هكذا يُثير "لابيد" وأمثاله الكراهية، وبسببهم، يعلم العالم أن "إسرائيل" بأكملها مُذنبة، لو علم العالم بوجود معسكر سلام كبير هنا يدعم حقوق الإنسان، لكان من الصعب عليه مهاجمتنا.
انضم العديد من اليهود، وخاصة الشباب، إلى حملة الكراهية الحالية، ويشعر النظام الامني في "إسرائيل"، الذي يصنف أي نقد على أنه "معاداة للسامية" بالحرج، لا يمكن وصم اليهود بهذا الوصف؛ فهم في أحسن الأحوال "يكرهون أنفسهم"، يعرف الطلاب اليهود في جامعة "هارفارد" معنى الإبادة الجماعية والتحريض على الحرب، وقد رأوا بأم أعينهم كيف تنفذ "الدولة" التي تريد ضمهم كرعايا لها هذه الأفعال، إنهم يريدون قطع الصلة بينهم وبين الدولة التي تتضامن معهم، لذلك، لا بد من إيجاد طريقة أخرى للدفاع عن أنفسهم ضد اليهود ذوي الضمير الحي، الذين انتُزعت أرواحهم من وطنهم الأم.
لقد وجد صديقي "موران شارير" الطريق، اليهود الذين يكرهون "إسرائيل" يفعلون ذلك لإرضاء غير اليهود، لقد مرّ وقت طويل منذ أن نشرت "صحيفة هآرتس" مقالاً ذا طابع شتاتي مثل المقال الذي كتبه مؤخراً (ملحق هآرتس)، والذي جاء عقب المقابلة مع "أرييل أنجيل" (ملحق هآرتس، 27 مارس)، محرر مجلة "جويش كارنتس" واليهودي المعروف بمعاداته للصهيونية.
يجوز معارضة الصهيونية بعد إدراك ما آلت إليه "إسرائيل" والعالم، لكن بحسب مقال "موران شارير"، فإن من يفكرون بهذه الطريقة لا بد أن يكون لديهم دافع خفي.
يعترف "شارير" بأنه يقبل معظم ادعاءاتها ضد "إسرائيل"، التي يصفها بأنها "مكان مريض"، ولذلك لا يملك خيارًا سوى التشكيك في دوافعها، كتب "أنجيل" أنها لا تفكر إلا في نفسها، وبذلك، تبنى أيضًا استراتيجية دعاة "إسرائيل" الذين يتهمون كل ناقد بمعاداة السامية: اللوم يقع على عاتق من يبدأون النقد، لا على من يُنتقد، "أنجيل" وأمثالها يعبرون عن مواقفهم فقط لإنقاذ أنفسهم، ويؤكد "شارير" أنهم لن ينجحوا أبدًا، انظروا، حتى "والتر راتيناو" قُتل.
بالنسبة لـ "شيرير"، نحن في عام ١٩٢٢، في ألمانيا، والنازيون في طريقهم إلى السلطة، لقد تغيرنا منذ ذلك الحين يا "موران"، هل سمعت بـ "دولة إسرائيل"؟ أستطيع أن أتقبل بعض ادعاءاتك حول المبالغة في أبعاد الكراهية وتجاهل أحداث 7 أكتوبر، لكن هذا رد فعل عنيف بعد أن تدرّبت أجيال من اليهود، وخاصة في الولايات المتحدة، على التعبير عن دعم ساحق وصاخب لكل خطوة مجنونة تتخذها "إسرائيل"، هذا هو رد الفعل على منع انتقادها دون أن يجد المرء نفسه في قفص الاتهام.
بل من الجائز معارضة الصهيونية بعد إدراك ما آلت إليه "إسرائيل" والشرق الأوسط واليهود، من الممكن، يا "موران"، تناول هذه الحجة دون الشك في أن موضوعها يسعى لإرضاء الآخرين، ما مقدار الشتات المطلوب لتبني هذا النمط من التفكير؟ هل نعود إلى الحديث عن اليهودي والدولة القومية؟ لكن الدولة القومية الآن هي "إسرائيل"، قوة إقليمية ودولة قمعية، وأحيانًا يمكن للمرء أن ينفجر غضبًا منها، بل من الجائز الشعور بالخجل منها، حتى أن موسيقيي الجاز "الإسرائيليين" يُسمح لهم بالتبرؤ منها دون أن يتعرضوا للتوبيخ.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "جدعون ليفي"