الشرعية الإيرانية تتصدر مشهد المفاوضات المتعثرة
ترجمة الهدهد
لم تُفضِ المحادثات التي بدأت أمس السبت بين الوفدين الإيراني والأمريكي إلى اتفاق، لكنها على الأقل تجاوزت عقبة إجرائية هامة،
لم تكن هذه المحادثات مباشرة فحسب، بل جرت أيضاً على عكس الصيغة المعتادة لـ"المحادثات المغلقة" التي تتطلب من الوسيط التنقل بين غرف منفصلة، وذلك بالرغم من الشرط المسبق الذي وضعه رئيس الوفد الإيراني، محمد باقر قاليباف، والذي طالب بوقف إطلاق النار في لبنان والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة قبل بدء المحادثات.
لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران راضية عن توجيهات "دونالد ترامب" لـ "إسرائيل" بتقليص نطاق هجماتها في لبنان، أو ما إذا كان هناك التزام أمريكي أكثر حزمًا بوقف إطلاق النار، لكن يبدو في الوقت الراهن أن إيران أكثر اهتمامًا بالمحادثات التي ستبدأ هذا الأسبوع بين "إسرائيل" ولبنان من اهتمامها باستمرار إطلاق النار، وفيما يتعلق بمسألة الأموال، التي يُقدّر حجمها بأكثر من 100 مليار دولار، لم يصدر بعد أي إعلان أمريكي رسمي بشأن استعدادها للإفراج عنها، لكن يبدو أن مستقبلها أصبح شرطًا أساسيًا لجزء من المفاوضات، وأحد أسباب فشل المحادثات بين الطرفين في الوقت الحالي.
في جولات المحادثات التي جرت قبل اندلاع الحرب، أعلن الطرفان عن إحراز "تقدم حقيقي" والاتفاق على سلسلة من المبادئ التي يمكن الاستناد إليها في صياغة اتفاق، إلا أنه منذ بدء الحرب، طرأت عدة تغييرات جوهرية وضعت الولايات المتحدة وإيران أمام وضع جديد أكثر تعقيدًا، فبالرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، ومقتل كبار قادة النظام وقيادته العسكرية، وتدمير البنية التحتية المدنية، فقد صمد النظام بل وأظهر مرونة، ولم تندلع انتفاضة شعبية أخرى، وشكلت إيران تهديدًا استراتيجيًا قويًا عندما أغلقت مضيق هرمز، وأغلقت الممرات الملاحية في الخليج العربي، ونفذت تهديدها بإلحاق الضرر بدول الخليج، والنتيجة حتى الآن هي أن النظام الإيراني، بهيكله وسلطاته ونطاق سيطرته ظل قائمًا، واكتسبت مجرد المفاوضات معه شرعية أمريكية، وبالتالي عالمية.
ترى إيران أن هذا هو أهم ما تملكه من مقومات دخلت بها المفاوضات، ويكمن التحدي في كيفية ترجمة هذه المقومات إلى إنجازات عملية، ولعل أهمها رفع العقوبات الأمريكية والدولية، إلى جانب السعي للاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز، وتخصيب اليورانيوم على أراضيها، ومواصلة تطوير برنامجها الصاروخي، وفيما يتعلق بالقضيتين الأخيرتين، لم تُغير إيران، على الأقل علنًا، موقفها المبدئي في جميع جولات المفاوضات السابقة، ومن المشكوك فيه أن تُغيره الآن.
ربما تكون طهران قد عادت واقترحت "حلولاً بديلة" لهذه الألغام المتفجرة، مثل تخفيف تركيز 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى 60% من المستوى المحدد في الاتفاق النووي الأصلي، أو تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة محدودة، وثمة احتمال آخر هو أنها أبدت استعدادها للمشاركة في اتحاد إقليمي لتخصيب اليورانيوم، يكون الإشراف في إطاره أكثر دقة وصرامة، لكنها في السابق اشترطت أن يتم التخصيب على أراضيها حتى في ظل هذا الترتيب، باعتبار ذلك "حقاً سيادياً" مُنح لها بصفتها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
على أي حال كتب معلق محافظ مقرب من الحكومة الإيرانية على وسائل التواصل الاجتماعي أن المحادثات مع الولايات المتحدة انهارت لأن الأخيرة طالبت بوقف التخصيب تماماً وإزالة 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية.
رفضت إيران مناقشة برنامجها الصاروخي، بحجة أن منظومات الصواريخ مخصصة للدفاع عن نفسها، وأنها لم تُدرج في الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وأنه لا يحق لأي دولة التدخل في برامجها الدفاعية التقليدية، ومع ذلك فقد طُرحت في السابق أفكارٌ للحد من مدى وعدد الصواريخ في هذا الشأن، لكنها لم تُترجم إلى نقاش عملي، وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن "ترامب" لم يتطرق في تصريحاته الأخيرة إلى مسألة الصواريخ إطلاقاً، ولا إلى قطع العلاقات بين إيران وحلفائها في المنطقة، رغم ورود هذه المسائل في خطته المكونة من ١٥ بنداً (التي رفضتها إيران)، ويواصل "ترامب" تركيز مطالبه على بند واحد، وهو أن "إيران لن تمتلك أسلحة نووية أبداً"، ويضيف بين الحين والآخر أن "إيران لن تتمكن من تخصيب اليورانيوم".
وفي الوقت نفسه، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن المحادثات جرت في جو من انعدام الثقة، لكنها لم تغلق الباب، مضيفة أنه "من الطبيعي ألا نتوصل إلى اتفاق في جولة واحدة من المحادثات".
في المرحلة الأولى، يبدو أن الطرفين بحثا وجود قاسم مشترك ومجال للمناورة يسمح لهما بصياغة مبادئ لإجراء المفاوضات، ولو تم الاتفاق على هذه المبادئ، لكان قد تم تحديد جدول زمني لاستمرارها، وهو ما لم يحدث.
يشير تكوين الوفد الإيراني الكبير، الذي يضم 71 عضواً، إلى أن إيران كانت مستعدة "لإبرام اتفاق" دون الحاجة إلى المرور بـ"المشاورات" الداخلية التي تسببت في الماضي بتأخيرات ونزاعات وتغييرات في المواقف، رسمياً، يتطلب كل قرار مبدئي يتخذه الوفد، فضلاً عن مسودة الاتفاق، موافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ومع ذلك مُنح "قاليباف" صلاحيات كاملة للتوصل إلى اتفاق "يحفظ شرف إيران ومصالحها"، أي اتفاق لا يحقق الأمن العسكري والاقتصادي لإيران ويحافظ على مكانة النظام فحسب، بل "يُحدث" أيضاً تقدماً أيديولوجياً ولا يضع خامنئي الابن في قلب انتقادات النافذين قبل أن يرسخ سلطته، سيتعين على "قاليباف" التعامل مع العديد من الشخصيات النافذة ومواجهتها بشأن تفسير هذه الشروط، والتي يسعى بالفعل إلى تحييد معارضتها بدعوتهم للمشاركة في الوفد.
فعلى سبيل المثال، عارض طلب قائد الحرس الثوري، أحمد وحيدي، بضم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي "محمد باقر زو القادر"، الذي خلف علي لاريجاني الذي اغتالته "إسرائيل"، إلى الوفد، ولكنه وافق على ضم عضوين من المجلس، ضم الوفد النائب البارز محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي، وهو عالم دين إسلامي متشدد، وأحد أشد منتقدي الاتفاق النووي ومعارضي المفاوضات مع الولايات المتحدة، كما ضم الوفد عبد الناصر الحماتي، محافظ بنك إيران، المنتمي إلى الحركة الإصلاحية التي انتقدت الحرس الثوري علنًا وطالبت بإصلاح اقتصادي من شأنه أن يحرم الحرس من بعض سيطرته على اقتصاد البلاد، عندما ترشح حماتي للرئاسة في عام 2021، تعهد بتعيين 5 نساء في حكومته وتشكيل لجنة تحقيق في مقتل المتظاهرين في عام 2019، بالإضافة إلى دعمه للاتفاق النووي، يصرح حماتي بأن المشاكل الاقتصادية لإيران تنبع من سياستها في العزلة عن العالم، أي عن الغرب.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن "قاليباف" لم يدعُ سعيد جليلي، أحد المقربين من مجتبى خامنئي، والذي كان الأمين العام لمجلس الأمن القومي في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، وقد تعمّد جليلي، أثناء رئاسته لفريق التفاوض على الاتفاق النووي، تخريب المفاوضات بشكل منهجي.
وهكذا، بالتوازي مع التكوين المهني للوفد، الذي ضم مسؤولين كبارًا وخبراء في مجالات الاقتصاد والطاقة النووية والسياسة، شكّل "قاليباف"، المقرب جدًا من خامنئي الابن، ما يشبه "تحالفًا سياسيًا"، لم يقتصر دور هذا التحالف على تقديم المشورة وصياغة مبادئ المفاوضات، بل شمل أيضًا تسويق أي اتفاق باعتباره إنجازًا، والتغلب على المعارضة الداخلية، لا سيما تلك المتوقعة من قائد الحرس الثوري وممثلي التيار الراديكالي في البرلمان، ويشير هذا التكوين أيضًا إلى أن افتراض أن السياسة الإيرانية تُدار حصريًا من قبل الحرس الثوري أو آيات الله المتسترين لا يعكس بدقة تعقيد السياسة الإيرانية.
مع ذلك، لن تقتصر العوامل المؤثرة على سلوك الوفد التفاوضي ومصيره في حال استمرار المحادثات مع الأمريكيين على الصراعات الداخلية على السلطة داخل إيران فحسب، فقد ألّف "قاليباف"، الحاصل على دكتوراه في الجغرافيا السياسية، سلسلة من الدراسات حول الموقع الاستراتيجي لإيران وقوتها بفضل موقعها الجغرافي، وفي دراسة نشرها عام 2008، تحدث عن ضرورة تبني استراتيجية تنافسية تراعي مصالح الدول والكيانات الأخرى العاملة في المنطقة، بدلاً من استراتيجية صراع تسعى إلى إحباط طموحات هذه الكيانات وسحقها من خلال مواجهتها باستمرار، ويشير "قاليباف" إلى أن السيطرة على مضيق هرمز، وموقع إيران بين بحر قزوين والمحيط الهندي، وقربها من دول الخليج، كلها من الأسس التي ينبغي أن تبني عليها إيران استراتيجيتها الرامية إلى تحويل البلاد إلى قوة إقليمية، والآن قد يقدر أن إيران ستتمكن من تنفيذ هذه الاستراتيجية تحديداً في مواجهة رئيس أمريكي مثل "ترامب" "سيد الصفقات".
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "تسفي بارئيل"