ترجمة الهدهد

مقال رأي

لقد تجاوزت الحرب في لبنان منذ زمن بعيد حدود الجبهة الشمالية، لتصبح مفترق طرق استراتيجياً تلتقي فيه 4 مصالح مختلفة، غالباً ما تكون متضاربة: رغبة "إسرائيل" في الحد من خطر حزب الله، وسعي لبنان لمنع التدهور الشامل، ومحاولة الولايات المتحدة كبح التوسع الإقليمي، ونضال "بنيامين نتنياهو" السياسي لخوض الحرب دون دفع الثمن الشعبي والسياسي الكامل، لذا فإن النقاش لا يقتصر على مسألة ما إذا كانت "إسرائيل" ستواصل مهاجمة لبنان.

السؤال المهم هو ما الذي تسعى "إسرائيل" لتحقيقه تحديداً الآن، وما إذا كانت هناك رغبة على المستوى السياسي في الاعتراف بحدود القوة، وقد ازداد هذا السؤال إلحاحاً في الوقت الذي فُتحت فيه على الأقل نظرياً قناة للمفاوضات المباشرة بين "إسرائيل" ولبنان، بوساطة أمريكية، تمهيداً لاجتماع مُقرر عقده هذا الأسبوع في واشنطن بين ممثلين "إسرائيليين" ولبنانيين وأمريكيين.

ظاهريًا، يبدو "المنطق الإسرائيلي" وراء الإصرار على استثناء الجبهة الشمالية من وقف إطلاق النار الشامل بسيطًا وواضحًا: حزب الله يطلق النار، "إسرائيل" تهاجم، لكن هذه المعادلة تغفل المشكلة الأساسية، فحتى بعد الضربات القوية التي تلقاها الحزب منذ نهاية عام 2024، فقد ضعف لكنه لم ينهار، فقد خسر قيادة وبنية تحتية وقدرات، لكنه لم يفقد قدرته على البقاء، علاوة على ذلك، ترسخ في "إسرائيل" تصور مبالغ فيه تدريجيًا - على الأقل في شكل منشور يُباع للجمهور - مفاده أن حزب الله قد هُزم بالفعل، أو على الأقل لم يعد فاعلًا عسكريًا مؤثرً.

الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير، فحتى في شكلٍ مُصغّر لا مركزي وأكثر مرونة، لا تزال المنظمة قادرة على تقويض "الجبهة الداخلية الإسرائيلية"، وتحدّي أنظمة الدفاع، والحفاظ على وجود دائم في الميدان، إن استمرار إطلاق النار حتى في ظل تزايد الاتصالات السياسية، وإشارة المنظمة إلى أنها لن تلتزم بالضرورة بأي ترتيب يُبرم دونها، يُظهر مدى اتساع الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع العملي.

هنا تكمن المشكلة الأساسية: حققت "إسرائيل" إنجازات تكتيكية بالغة الأهمية، لكنها سرعان ما حوّلتها إلى افتراض استراتيجي خاطئ، تسرب هذا الافتراض من الحكومة إلى وسائل الإعلام والجمهور، وهكذا، نشأت فجوة خطيرة بين الوعود والواقع، فعندما يسمع الجمهور مرارًا وتكرارًا عن نزع سلاح حزب الله، بينما يرى استمرار إطلاق النار وتزايد تكلفته على الجبهة الداخلية، تتآكل الثقة ليس فقط في تصريحات الحكومة، بل أيضًا في قدرتها على تحديد هدف واقعي.

في الأيام الأخيرة، برزت مشكلة أخرى: لم تعد بعض "الهجمات الإسرائيلية" تُنظر إليها في العالم على أنها مجرد هجوم على القوة العسكرية لحزب الله، بل على أنها تحركات تُثير تساؤلات حول السيادة اللبنانية والتكلفة المدنية والحكومية للقتال، وذلك بعد هجمات أودت بحياة أفراد من قوات الأمن اللبنانية وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية المدنية الحساسة المجاورة، ولا يقتصر الأمر على صعوبة أخلاقية أو تتعلق بالصورة العامة، بل هو حقل ألغام سياسي يُلقي بظلاله على أي محاولة أمريكية لتقديم المحادثات على أنها بداية اتفاق.

لبنان نفسه يتطلب نظرة أكثر واقعية، في "إسرائيل"، من السهل أحيانًا الحديث عن "الحكومة اللبنانية" و"الجيش اللبناني" كما لو كانا دولة ذات سيادة طبيعية، قادرة على اتخاذ القرار وفرض نزع سلاح حزب الله بالقوة، لكن النظام اللبناني يعمل وفق قواعد أخرى: توازن طائفي دقيق، وضعف مؤسسي عميق، وانهيار اقتصادي مستمر، وخوف دائم من الانزلاق إلى حرب أهلية، حتى لو وُجدت عناصر في المؤسسة اللبنانية ترغب في تقليص نفوذ حزب الله، فمن المشكوك فيه جدًا أن تمتلك القدرة السياسية أو العسكرية على القيام بذلك دون إجماع داخلي واسع، وبالتأكيد ليس تحت ضغط "إسرائيلي" وخارجي فقط.

لذا، فإن مجرد موافقة لبنان على الدخول في مفاوضات لا يدل بالضرورة على رغبة في مصالحة تاريخية؛ بل يعكس في المقام الأول محاولة يائسة لوقف إراقة الدماء، لا خطوة مبنية على الثقة أو قدرة حقيقية على إحداث تغيير داخلي، إن من يقدم للجمهور تسوية سياسية سريعة تؤدي إلى حل حزب الله بالكامل، دون تدخل إيراني ودون تغيير جذري في لبنان نفسه، إنما يقدم وهماً.

لهذه المشكلة بُعد أمريكي واضح، فمن وجهة نظر "إدارة ترامب"، لا يُعدّ التصعيد في لبنان حدثًا محليًا، بل هو جزء من نسيج إقليمي أوسع يرتبط بما يحدث في إيران، واستقرار الأسواق، وحرية الملاحة، والضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، وقد أدّى حصار مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد، وساهم في زيادة التضخم في أمريكا، ويدرك البيت الأبيض جيدًا أن الحرب المطوّلة في الشرق الأوسط ليست مجرد صداع في السياسة الخارجية، بل هي أيضًا عبء اقتصادي وسياسي داخلي، ولذلك يسعى الأمريكيون إلى ضبط النفس.

ليس بالضرورة سلامًا، ولا تسوية دائمة، ولكن على الأقل وقفًا للديناميكيات التي قد تتدهور إلى حرب إقليمية طويلة الأمد، من وجهة نظرهم، كل يوم إضافي من تبادل إطلاق النار في لبنان يزيد من خطر تداخل هذه الساحة مع أهداف أمريكية أخرى، من الاقتصاد إلى قدرة "ترامب" على تقديم صورة إيجابية لناخبيه عن السيطرة والاستقرار والنتائج، ومن هنا جاء الضغط على "نتنياهو" لخفض حدة الهجمات والموافقة على فتح قناة دبلوماسية مع بيروت.

في هذه المرحلة، يتجلى التوتر بين "ترامب" و"نتنياهو"، فالرئيس الأمريكي يسعى إلى استقرار الوضع، ولو مؤقتًا، وإتاحة الفرصة للمفاوضات؛ بينما يريد "رئيس الوزراء" مواصلة الضغط العسكري، مع التأكيد في الوقت نفسه لقاعدته الشعبية على أنه لا مجال للتراجع أو التنازلات أو الانكفاء، هذا ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل هو اختلاف حقيقي في تسلسل أولويات التهديدات وكيفية إدارة المخاطر، ينظر "ترامب" إلى الساحة اللبنانية كحقل ألغام في طريق التوصل إلى اتفاق أوسع مع إيران؛ بينما يراها نتنياهو وسيلةً للحفاظ على حرية العمل، وربما أيضًا وسيلةً ملائمةً لصرف الأنظار عن الإخفاقات المتراكمة في ساحات أخرى.

ليس من قبيل المصادفة أن الإيرانيين أنفسهم ربطوا صراحةً التقدم المحرز في المحادثات مع الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار في لبنان، أو على الأقل بضبط النفس "الإسرائيلي" هناك، بعبارة أخرى، لم يعد لبنان مجرد بند ثانوي في الأزمة، بل أصبح أحد أهم اختباراتها، وأي توتر إضافي بين "ترامب" و"نتنياهو" في هذا الملف قد يتحول فوراً إلى توتر أوسع بين "تل أبيب" وواشنطن.

وفي خضم كل هذا، يستمر الثمن على "الجبهة الداخلية الإسرائيلية" في الارتفاع، ليس انهياراً، بالطبع، ولا حتى قريباً منه، ولكنه أيضاً ليس وضعاً روتينياً يمكن قبوله، روتين الإنذارات، والضربات المباشرة، والاستنزاف المتراكم، والعبء المتزايد على أنظمة الدفاع.

في الوقت نفسه، لا يُسهم مجرد الإعلان عن المفاوضات في تهدئة الوضع في هذه المرحلة، بل ربما يُفاقم الشعور بأن "إسرائيل" تُحاول الحفاظ على مسار دبلوماسي وحرب في آنٍ واحد، دون حسم أمرها بينهما، قد يُلبي هذا احتياجات سياسية قصيرة الأجل، ولكنه يُصعّب بناء ثقة الجمهور والمصداقية الدولية.

لذا، فإن السيناريو الأرجح في الوقت الراهن ليس قراراً نهائياً ولا تسوية تاريخية، بل من المرجح أن نشهد فترة طويلة من الاتصالات الدبلوماسية الجزئية، إلى جانب قتال متفاوت الشدة، ستسعى "إسرائيل" إلى مواصلة إلحاق الضرر بحزب الله دون الانجرار إلى حرب واسعة النطاق؛ وسيحاول لبنان كسب الوقت وتخفيف الضغط؛ وستضغط الولايات المتحدة من أجل ضبط النفس للحفاظ على قناة الاتصال مع إيران؛ وسيحاول حزب الله إثبات أنه لم يُهزم، وأنه لا يمكن تجاوزه باستخدام الدولة اللبنانية وحدها.

من هنا أيضاً ينبع التشكيك الكبير في الساحة اللبنانية نفسها: فالمحادثات المرتقبة لا تُعتبر بداية عهد جديد، بل مجرد محاولة للحد من حجم الدمار، وإذا كان هذا هو الواقع، فإن النجاح المرجو على المدى القريب ليس "السلام"، بل تقليل الأضرار، وهذا هدف مهم أيضاً، لكن المسافة بينه وبين الوعود الكبيرة التي تُقطع في تل أبيب لا تزال شاسعة.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "آنا بارسكي"