ترجمة الهدهد

تتعدد المفاجآت التي تعصف بحياة الأفراد والأمم، فمنها النوع الشائع الذي ندرك احتمالية وقوعه لكننا نعجز عن التنبؤ بموعده أو شدته تماماً كالزلازل والبراكين، ومنها نوع آخر أكثر خطورة يتمثل في أحداث يمكن التنبؤ بها تماماً، لكنها تصدم من يختار العيش في عالم وهمي منفصل عن الواقع، كمن يقرر تصديق أن النمر حيوان أليف ويدخل قفصه بناءً على هذا الوهم، ليجد مفاجأة دموية بانتظاره.

وللأسف تعيش "إسرائيل" اليوم الكثير من مفاجآت هذا النوع الثاني، ولعل كارثة 7 أكتوبر هي المثال الأبرز على ذلك، فرغم أن حماس أعلنت ليل نهار عن عزمها مواجهة الوجود الصهيوني، إلا أن "نتنياهو" جر اليمين بأكمله لسنوات نحو عالم خيالي صُوّرت فيه الحركة كقوة يمكن رعايتها واحتواؤها، لتأتي الصدمة ليس فقط في التوقيت والشدة، بل في الانهيار التام لجاهزية "الجيش الإسرائيلي" أمام من صمم على كسر قيود السجن الكبير في غزة.

ولم يتوقف هذا العمى الاستراتيجي عند حدود غزة، بل امتد ليشمل الصراع مع إيران، حيث أثار إغلاق مضيق هرمز حالة من الذهول وكأن "إسرائيل" وحليفتها "واشنطن" لم يتوقعا هذه الخطوة أو يحضرا رداً مناسباً لها.

والحقيقة أن من يكلف نفسه عناء النظر إلى الخريطة يدرك أن هذه الخطوة لم تكن مفاجئة على الإطلاق، فقد سبق التحذير منذ عام 2011 بأن أي تهديد حقيقي لإيران سيؤدي حتماً إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية عبر هذا الشريان الحيوي، مما سيقود إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع حاد في الأسعار، وهو سيناريو كان مطروحاً وقيد المداولة منذ سنوات، لكن الغطرسة حالت دون الاستعداد لتبعاته الكارثية.

ومن المفاجآت غير السارة لـ "إسرائيل" أيضاً، ذلك الانهيار التام لمكانتها الدولية الذي أعقب حرب الإبادة غير المسبوقة التي شنتها بعد 7 أكتوبر، حيث فقد دعم قطاعات واسعة حتى من اليهود الأمريكيين.

وفي العالم الذي يصف نفسه بالديمقراطي، بات الكثير من السياسيين وعامة الناس يرون أن الرواية الفلسطينية أكثر صدقاً من روايات "إسرائيل"، أو في أفضل الأحوال وضعوه في كفة مساوية، وهو ما تجسد بوضوح في مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق "بنيامين نتنياهو" و"يواف غالانت"، والتي وضعتهم في ميزان قانوني واحد مع قادة المقاومة الذين اغتالتهم آلة "الحرب الإسرائيلية".

إن هذا التدهور ليس مستغرباً لمن يراقب تصريحات وزراء متطرفين مثل "بن غفير" و"سموتريتش"، الذين أدخلوا خطاباً عنصرياً غير مسبوق إلى الهيئات الرسمية، حيث خفتت أصوات السلام المزعومة وحل محلها التباهي بالقوة والقصف والتدمير.

فالعالم الذي يراقب منذ 50 عاماً نظام "الأبارتهايد" في الضفة الغربية، يرى اليوم بوضوح كيف يُحتفى بالإرهاب اليهودي دون رادع، وكيف يعيش المستوطنون بكامل حقوقهم فوق أرض الفلسطينيين المحرومين من أبسط مقومات الحياة، مما دفع المعسكر الليبرالي العالمي إلى التوقف عن قبول هذا الوضع الراهن المشوه.

ومع دخول حرب غزة عامها الثالث، تواصل "الحكومة الإسرائيلية" بذل كل جهودها لإطالة أمد الصراع، متجاهلة الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون من النساء والأطفال أمام أنظار العالم الذي لم تعد تقنعه التبريرات الواهية.

وفي ظل دعوات "سموتريتش" الصريحة للعودة والسيطرة على أراضٍ في غزة وسوريا ولبنان، يزداد العالم نبذاً لهذا الكيان، وهو أمر متوقع تماماً وليس مفاجئاً.

إن إدارة الحكومة الحالية وتصريحات "نتنياهو" المتفائلة والوهمية حول نتائج الحرب تعزز الانطباع بأن هذه القيادة تجر شعبها نحو هاوية الواقع الذي حاولت الهروب منه طويلاً، لتكون النتيجة الحتمية هي مفاجآت مؤلمة يفرضها الواقع الميداني والدولي في نهاية المطاف.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "البروفيسور دانيال فريدمان"، وزير القضاء الأسبق