حصار بحري أنيق
ترجمة الهدهد
لم يمضِ على الحصار البحري المفروض على إيران يومٌ واحد، وقد بدأت رياح المفاوضات تهب من الخليج والبيت الأبيض.
بالأمس أعلن الرئيس "ترامب" أن الإيرانيين اتصلوا به وأنهم يرغبون في التوصل إلى اتفاق، وقال "رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو" إنه تلقى إحاطة مفصلة عن المحادثات من نائب الرئيس الأمريكي "فانس"؛ ونُشرت لاحقًا تفاصيل هذه المحادثات، بالإضافة إلى المقترحات الأمريكية وردود إيران.
هناك منطقٌ كبيرٌ وراء الحصار البحري المفروض على إيران، تكمن المشكلة الأساسية التي تحاول الولايات المتحدة حلها حاليًا في إغلاق مضيق هرمز، تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بتحليلاتٍ متفاوتةٍ تُشير إلى أن الاقتصاد العالمي يتجاوز بطريقةٍ ما خسارةً كبيرةً في تدفقات النفط والغاز، لكن من خلال الحوارات مع شخصياتٍ مؤثرةٍ في المنطقة وخارجها، يتضح أن هذا ليس صحيحًا، ولا يقتصر الأمر على الوقود الأحفوري فحسب، بل يشمل أيضًا كمياتٍ هائلةً من الأسمدة القادمة من الخليج.
كان لدى الأمريكيين سلسلة من المقترحات للضغط على الإيرانيين، وكان أكثرها جرأةً احتلال جزيرة خرج فعلياً، أو القضاء على صناعة النفط الإيرانية، هاتان خطوتان من شأنهما توريطهم بعمق في الحرب، لكنهم اختاروا خطوةً أكثر وضوحاً ودهاءً، والتي، إلى جانب وقف إطلاق النار، تسمح لهم باستئناف الحرب فعلياً.
بعد كل شيء، صرّح "ترامب" مرارًا وتكرارًا بأن المعركة قد حُسمت وأن إيران قد خسرت، هذا رأيه، ماذا تبقى؟ مضيق هرمز، لذا، إذا استمر الإيرانيون في تصدير النفط (ويحصلون على ضعف السعر تقريبًا!)، فلن يتمكنوا من منع العالم من المرور عبر المضيق، إنهم بذلك ينتهكون القانون الدولي، وبما أن الولايات المتحدة قد أوقفت قصفها، فإن الموقف الأمريكي القائل "إذا أغلقتم المضيق، فسنغلقه لكم" يبدو منطقيًا، فهو يمتلك قدرة كبيرة على حشد دول أخرى تعاني من الوضع في هرمز.
حاول الإيرانيون استخدام مضيق هرمز للضغط على أمريكا، لكن الأمر في جوهره أشبه بفشل ذريع، فقد بدأت دول المنطقة بالبحث عن حلول أخرى، وتتمتع الولايات المتحدة بنفوذ أكبر إذا ما تم فرض حصار كامل على إيران، من جهة أخرى هناك مسألة الأسعار: فالحصار البحري الذي يقطع كل حركة في هرمز سيرفع الأسعار عالميًا، ويكمن رد الولايات المتحدة فيما صرّح به "ترامب" أمس، حول مرور عدد أكبر من ناقلات النفط عبر هرمز قبل يومين مقارنةً بأي وقت مضى خلال الحرب، بعبارة أخرى تحاول أمريكا أن تُطبّق على إيران ما طبّقته على العالم لأكثر من شهر.
في الوقت نفسه، تستمر المفاوضات فعلياً، حالياً، تتضح الصورة التالية: ستوافق إيران مبدئياً على إزالة اليورانيوم المخصب من أراضيها، أو تخفيف تركيزه في تربتها بحيث لا يصل إلى مستويات التخصيب المطلوبة، كما توافق على وقف تخصيب اليورانيوم لفترة محددة، لكنها ترفض الموافقة على وقف التخصيب كلياً، وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للتنازل بشأن مطلب الوقف التام للتخصيب، وعرضت مهلة 20 عاماً، وقد أفاد "باراك رافيد" الليلة الماضية أن إيران ردت، وفقاً لعدة مصادر، بـ "مدة لا تتجاوز 10 سنوات"، بعبارة أخرى يدور النقاش حول السعر لا المبدأ، كما في النكتة الشهيرة عن "جورج برنارد شو" وحواره مع امرأة معينة.
الافتراض السائد هو أن اتفاقاً شاملاً سيحل أيضاً قضية مضيق هرمز حلاً كاملاً ونهائياً، ظاهرياً، ستحصل إيران في المقابل على تسوية بشأن أصولها وتخفيف كبير للعقوبات المفروضة عليها.
ماذا تبقى؟ النقطتان الأكثر صعوبة بالنسبة لـ "إسرائيل"، حتى أكثر من القضية النووية: دعم إيران لحلفائها الإقليميين، وبرنامج الصواريخ الباليستية، ففي الحالة الأولى، تواصل إيران في انتهاك صارخ للقانون الدولي، دعم حزب الله وحماس مروراً بالجهاد الإسلامي، أما في الحالة الثانية، فهي ليست طرفاً في أي معاهدة بشأن قضية الصواريخ الباليستية، ويمكنها الاستمرار في الادعاء بأن هذا حق سيادي لها وأن امتلاكها سلاح قانوني تماماً، ولم ترد أي تقارير من مصادر مختلفة حول ما إذا كانت هذه القضايا قد طُرحت أصلاً في إسلام آباد، وما هي المقترحات المطروحة، وما إذا تم التوصل إلى أي اتفاقيات.
بالنسبة لإدارة "ترامب"، ثمة ثلاثة عناصر أساسية قد تُشكل النصر في الحرب: فتح مضيق هرمز بالكامل، وإزالة اليورانيوم المخصب، ووقف التخصيب لفترة طويلة للغاية - فترة يصفها "ترامب" بأنها أشبه بالبقاء إلى الأبد، قد يجادل "الرئيس" بأن هذه النتيجة أفضل بكثير من الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما، والذي سمح بالتخصيب وتضمن بندًا يُلغي القيود بعد 10 سنوات، أما هنا ووفقًا لموقف الإدارة، فلن يكون هناك أي تخصيب على الإطلاق لسنوات عديدة، وحتى ذلك الحين، يبقى الأمل في الغرب معلقًا على سقوط النظام أو تغييره جذريًا.