"بين الأنقاض" يحارب جريمة نسيان غزة
ترجمة الهدهد
غزة، أتذكرون؟ لقد نُسيت غزة من صميم القلب، تم تهميشها من الأجندة الدولية، ولم تُدرج قط على "الأجندة الإسرائيلية" منذ وقوع الكارثة الأخيرة، غزة، أتذكرون؟ أتذكرون ألف طفل، و20 ألف فتاة وامرأة، و70 ألف قتيل، ومليوني نازح؟ الخراب والمجاعة؟ كل شيء نُسي، وكأنه لم يحدث قط، كارثة غزة الثانية تحدث الآن، إنها كارثة النسيان، وهي لا تقل فظاعة عن الأولى، فبعد الدمار المادي، جاء الدمار النفسي لأكثر الأماكن تضررًا في العالم اليوم، بفعل أيادٍ بشرية، أيادٍ "إسرائيلية"، عن طريق الصدفة، قد تتجاوز جريمة النسيان في شدتها جريمة التدمير - وقد تستمر إلى أجل غير مسمى.
كان آخر تذكير بمثابة طعنة في القلب: نشر "نير حسون" في صحيفة هآرتس 19 فبراير الماضي، قائمة بأسماء 68,844 فلسطينيًا تم التعرف عليهم، والذين قُتلوا في غزة، من بينهم الطفلة وعد صباح، التي لم تكن قد تجاوزت يومها الأول، و17 طفلًا آخر من نفس عمرها؛ سبعة منهم عاشوا يومًا واحدًا، وستة يومين، وثمانية ثلاثة - حياة أبدية كالفراشات - وصولًا إلى تمام البطش، عجوز القبيلة، التي توفيت عن عمر يناهز 110 أعوام، قائمة طويلة ومروعة، ثم اندلعت الحرب في إيران، حتى أن تلك القائمة التي كانت في تلك الشقة قد طواها النسيان.
لا يقتصر الأمر على محو الماضي فحسب، بل يتعداه إلى طمس الحاضر وإخفائه، ففي غزة، لم يُحلّ شيء، لم يُرمّم منزل، ولم تُزال آثار الهدم، ولم يُعبد طريق، ولم يُعاد تأهيل شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولم تُزرع أرض، إن تجاهل غزة وعدم اكتراث أحد بمصيرها لا يُحسّن الوضع، بل يزيده سوءًا، من يظن أن عدم الحديث عن غزة سيخفف من معاناتها ويحل مشاكلها بنفسه فهو مخطئ، ومن يظن أن عدم اهتمام العالم و"إسرائيل" بها وعدم حديثهما عنها يعني أنها لم تعد غارقة في كوارثها فهو مخطئ أيضًا، بعد إطلاق سراح الأسرى "الإسرائيليين" من غزة، اتضح مدى تأثير التدخل الدولي و"الإسرائيلي" في تخفيف معاناتهم، من أحلك الأنفاق، كانوا يعلمون دائمًا أن هناك من يهتم لأمرهم، ومن يناضل، ومن لم ينسَ ولن ينسى، أما سكان غزة، فلا يملكون حتى هذه النعم، في مخيمات اللاجئين وخيام النازحين، يعلمون أنه في إسرائيل لا أحد يهتم بمصيرهم، لن يأتي المسيح ولن يدعو.
"بين الأنقاض" محاولة متواضعة، محدودة النطاق، تكاد تكون يائسة، لكسر حاجز الصمت، النسخة العبرية مؤثرة للغاية، إذ إنها محكوم عليها منذ البداية بأن تكون مجرد صرخة في الظلام، ففي مكانٍ يسوده الصمت التام، ولا يكترث فيه إلا القليل، لا يمكن للمرء أن يتوقع التكفير عن الذنوب أو العقاب عليها في الآخرة، هنا، لن تُنشأ لجنة للحقيقة والمصالحة، كما هو الحال في جنوب أفريقيا، لأن معظم "الإسرائيليين" لا يرغبون في معرفة الحقيقة، ولا يريدون سماع أي حديث عن المصالحة، ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يُقدّر هذه المبادرة الشجاعة والمرحّب بها من سلسلة "مكتوب" لنشر كتابات سما حسن من بلدها المنكوب.
إنّ النصوص 36 القصيرة التي كتبتها حسن، الكاتبة والصحفية التي قضت السنة الأولى من الحرب في غزة قبل أن تتمكن من الفرار إلى القاهرة، ابنة لاجئين من قرية الحمامة جنوب الكيان، لا تقلّ صدمةً عن قائمة القتلى، تطلق حسن صرخةً تكاد تكون غير إنسانية، صرخةً خامّةً، قاسيةً، نافذةً، صادمةً، عميقةً، تخترق الخرسانة كالقنابل الأمريكية، من يتجرأ على قراءة هذه النصوص لن يبقى غير مبالٍ، ولا هادئًا، إلا إذا تعرّض لغسيل دماغ لا رجعة فيه، وكيف لا يُصدم المرء: "أصرّ الطفل على ألا يُدفن والده دون ذراعه المقطوعة، تلك التي لم يعثر عليها أحد تحت الأنقاض، قرر البحث عنها ليضعها بجانب والده في قبره، ظلّ الطفل مفقودًا لساعات طويلة، وعندما أُعيد، كانت عدة رصاصات مستقرة في جسده، لكن يده كانت قابضةً على ذراع والده".
لأولئك الذين سيُظهرون ازدراءهم ويقولون إن هذه الأوصاف بشعة وفجة للغاية، نقول: الواقع بشع وفجّ للغاية، خذوا نفسًا عميقًا وانتقلوا إلى النص التالي: "صرخ الطفل المبتور في الخيمة على أمه الباكية، التي كانت تحاول تعليم أخيه الصغير خطواته الأولى دون أن يمسك بأي شيء، يا أمي! لا تُعلّميه المشي، لن يعتاد عليه، لأن صاروخًا آخر سيأتي وينفجر هنا، وسيصبح أخي أعورًا مثلي، وسيعود إلى الاعتماد على الآخرين،" هذا ليس إباحية، إنها حالة ذهنية، عليكم قراءتها والتأمل فيها، هذا أقل ما يمكن لأي إسرائيلي فعله، بعد كل هذه الفظائع التي ارتُكبت باسمه، وسط هتافاته أو في مواجهة لامبالاته، وفقًا لتقديرات المنظمات الدولية، يوجد ما بين 3000 و4000 طفل مبتور الأطراف في غزة، مثل الطفل في نص حسن، ألا يجب أن نقرأ عنه؟ ألا ينبغي لنا أن نحاول فهم معنى أن تكون طفلاً مبتور الساقين في بلدٍ دُمِّرَ ونُسِيَ؟ قد يبدو الأمر فظاً ومقززاً أحياناً، ولكن هل لنا الحق في قوله أصلاً؟ اقرأ: "عاد الجندي القاتل إلى منزله في إجازة قصيرة بعد أن تنافس مع جندي آخر في ذبح الأطفال وتحويل جثثهم إلى أشلاء، عندما اقترب من ابنه الصغير ليقبله، دفعه الطفل بعيداً في رعب وصرخ: أبي! الدم يتدفق من فمك، وقد نبتت لك نابان شريران، مثل مصاصي الدماء في الأفلام".
إنه كتاب قصير وغني بالتفاصيل، يُنصح بقراءته بتأنٍّ، يروي الكتاب جوانب من حياة وموت غزة تحت وطأة القصف، كلما كانت النصوص أقصر، ازدادت قوتها، إنه شعر "الهايكو" الخاص بغزة، لكن دون قواعده البنائية الصارمة، يتساءل محرر الكتاب "يوناتان مندل" في مقدمته: "هل يمكن للغة العبرية أن تنظر إلى غزة؟" هل هذا ممكن؟ اقرأ: "جلس صبيٌّ يكتب بقلم سميك أرقامًا عن أجزاء جسده، نظرت إليه أمه وقالت: لماذا تفعل هذا؟ فأجابها: ليسهل عليكِ جمع أجزائي بعد أن يمزقني صاروخ إربًا إربًا، وتأتي القطط والكلاب الضالة لتأخذ أجزائي من الخيمة".
المصدر: "صحيفة هارتس"/ "جدعون ليفي"