ترجمة الهدهد

يصادف هذا الأسبوع مرور عامين بالضبط على أول محادثة في التاريخ بين "رئيس وزراء إسرائيلي" ورئيس أمريكي، أبلغت فيها "إسرائيل" الولايات المتحدة بنيتها شن هجوم فوري على إيران.

حدث ذلك في الساعات الأولى من صباح 14 أبريل/نيسان، بعد أن صدّ البلدان معًا هجومًا بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة أُطلقت من إيران على "إسرائيل"، بادر الرئيس "بايدن" بمحادثة هاتفية مع "رئيس الوزراء"، أعرب خلالها عن أمله في أن تكتفي "إسرائيل"، في ضوء النجاح الفريد في احتواء الهجوم، بهذا النصر الدفاعي وتتجنب الرد العسكري، قال "بايدن": "اقبل بالنصر يا بيبي".

رداً على ذلك، تم توضيح الأمر للرئيس بأن "إسرائيل" ترى أن تبني سياسة ضبط النفس بعد الهجوم السافر، الذي تضمن إطلاق مئات الأسلحة ونُفذ دون أي مبرر حقيقي، يُعدّ دليلاً على الضعف، وذلك رداً على إحباط مشروع لجنرال إيراني قاد "عمليات إرهابية" واسعة النطاق ضد "إسرائيل" لسنوات، ومع ذلك، أخذت "إسرائيل" بعين الاعتبار طلب الرئيس "بايدن" الشخصي، واكتفت بتدمير منظومة دفاع جوي إيرانية متطورة، كإشارة لما سيأتي.

طغى صخب الحرب الطويلة متعددة المراحل في تاريخ "القوات الإسرائيلية" على هذا الحدث، لكن لا ينبغي الاستهانة بأهميته، فللمرة الأولى على الإطلاق، شنّ "سلاح الجو الإسرائيلي" هجوماً على أهداف عسكرية على الأراضي الإيرانية، مُظهِراً قدرةً رائعةً على تنفيذ مهام قتالية بالغة الصعوبة بأمان ونجاح.

مرّ عامان، وما زال النقاش حول النتائج النهائية لعملية "زئير الاسد"، أو "الغضب الملحمي"، في بدايته، وسيظل هذا النقاش يرافقنا ما دامت المفاوضات السياسية المتعثرة لم تُحسم، وما دام الوضع في مضيق هرمز لم يتضح، وما دام هناك احتمال لتجدد المواجهة العسكرية الوشيكة، لكن هزيمة واحدة تلوح في الأفق: إنها هزيمة التحالف القوي الذي عمل لما يقرب من ثلاثة عقود كحصن منيع يضمن لإيران حصانة من أي هجوم "عسكري "إسرائيلي" على منشآتها النووية، قاد هذا الجهد الهائل رؤساء الولايات المتحدة من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، وشارك فيه جميع قادة القارة الأوروبية دون استثناء، ولا سيما قادة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، ومعظم رؤساء دول العالم الأخرى.

لم يقتصر الأمر على تحالف دولي فحسب، بل إن معظم كبار المسؤولين الامنيين في "إسرائيل"، الحاليين والسابقين، أوصوا باتخاذ إجراءات ضد البرنامج النووي الإيراني دون بصمة "إسرائيلية" واضحة، وأوضحوا أن إيران النووية مشكلة عالمية، وأن على "إسرائيل" ألا تندفع إليها دون تفكير، وقدّموا حججًا قوية ضد أي عمل "إسرائيلي" منفرد: فنحن لا نمتلك قدرات اختراق التحصينات كما تفعل الولايات المتحدة، ولن تغفر لنا الولايات المتحدة أبدًا إذا جررتها إلى حملة سيتكبد فيها جيشها خسائر فادحة، كما أن حربًا إقليمية ضد إيران وحلفائها المسلحين بعشرات الآلاف من الصواريخ الدقيقة ستُلحق دمارًا هائلًا بـ "المدن الإسرائيلية"، كما سنواجه صعوبة مع مرور الوقت في منع قوة تكنولوجية متقدمة وعازمة كإيران من امتلاك أسلحة نووية، ولذلك يجب علينا الاستعداد للواقع الجديد بدلًا من خوض معركة خاسرة مسبقًا ضد عملية حتمية.

حتى بين العديد من المعلقين والخبراء الذين تناولوا هذه القضية في وسائل الإعلام العالمية و"الإسرائيلية"، كان من شبه المستحيل العثور على رأي مخالف، الرسالة المشتركة بين معظم أعضاء هذا التحالف كانت: إيران تشكل خطراً على السلام العالمي، لا جدال في ضرورة إحباط مخططها لامتلاك أسلحة دمار شامل، لكن يجب تحقيق هذا الهدف عبر الوسائل الدبلوماسية، لا القسرية، الطريقة المُفضلة لمواجهة إيران هي إصدار قرارات ملزمة ضدها في المحفلين الدوليين المعنيين، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إذا تبين أن هذه القرارات لا تُؤثر على إيران، فإن الخطوة التالية هي فرض عقوبات اقتصادية قاسية على النظام المتمرد، وفقاً لمن يؤيدون هذا النهج، يكمن الحل الأمثل في اتفاق سياسي شامل يمنح إيران، التي تُعاني من وطأة العقوبات، مزايا سخية مقابل تخليها عن طموحها في إنتاج قنابل ذرية.

على الرغم من عضويتها في صدارة تحالف "لا هجوم فقط"، ظلت الولايات المتحدة شريكًا وفيًا لـ "إسرائيل" في جميع مجالات النشاط الأخرى المصممة لحرمان إيران من القدرة على تنفيذ مخططها، وقد كُتبت كتب وأُنتجت أفلام عن التعاون الوثيق والمثمر بين أجهزة المخابرات في البلدين في الجهود السرية لإحباط البرنامج النووي الإيراني، كما كان التعاون "الأمريكي الإسرائيلي" وثيقًا بشأن مسألة العقوبات، فقد زودت "إسرائيل" بانتظام جميع الحكومات في واشنطن بمعلومات قيّمة مكّنت من رسم خريطة لأساليب التمويل السرية لإيران وساعدت في فضح حيل طهران للالتفاف على العقوبات، ومع ذلك، كانت المشكلة الكبرى ولا تزال قائمة هي أن جميع تدابير الاحتواء هذه، على الرغم من تأثيرها الرادع التراكمي، لم تُفضِ إلى تغيير في المسار، فقد استمر نظام آية الله في السعي للحصول على أسلحة الدمار الشامل بأي ثمن، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية، وعلى الرغم من العزلة الدولية، وعلى الرغم من الأعطال الغامضة في منشآت التخصيب التابعة له والوفيات المفاجئة لعلماءه، استمر الغرب في التأكيد على أن إيران لن تحصل أبداً على أسلحة نووية، لكن إيران تعهدت بالتغلب على أي عقبة حتى تحصل على القنبلة.

خلال فترة رئاسة "باراك أوباما"، كاد هذا التوجه أن يحظى بالشرعية النهائية في سبيل تحقيق هذا الهدف، فقد أُبلغ الرئيس الأمريكي من قبل مستشاريه للأمن القومي بأن استعدادات "إسرائيل" لشن غارة جوية على إيران قد بلغت مراحل متقدمة، وفي "إسرائيل"، في مواجهة موقف رئيس الوزراء ووزير الدفاع، اللذين أيدا عملية "أزرق أبيض"("إسرائيلية)، وقف رئيس الأركان ورئيس الموساد آنذاك، اللذان كانا يعتقدان أن "الجيش الإسرائيلي" لم يكن مستعدًا بعد لحرب متعددة الأطراف قد تندلع عقب ضربة على البرنامج النووي الإيراني، لا سيما دون الدعم السياسي والأمني من الرئيس الأمريكي، وظل الخلاف المهني في "إسرائيل" قائمًا لفترة طويلة، وحتى ضمن الدائرة السياسية المحدودة التي شُكّلت لمتابعة هذه القضية الحساسة "الثمانية"، لم يتم التوصل إلى توافق في الآراء، لكن الرئيس أوباما لم يُرد المخاطرة، فحث فريقه على المضي قدمًا بقوة في المفاوضات السرية مع إيران، وفي عام 2013 تمكن من التوصل إلى اتفاق مبدئي مؤقت مع إيران، والذي تحول بعد عامين إلى اتفاق شامل، وحقق التحالف ضد الهجوم نصرًا باهرًا، لو انتهى الاتفاق، لما كان من الممكن استئناف خطوة تتعارض مع اتفاقيات العالم بأسره.

أنقذ انتخاب "دونالد ترامب" رئيسًا للولايات المتحدة العالم، وبالتأكيد "إسرائيل"، من انزلاق لا يمكن السيطرة عليه نحو فوضى نووية إقليمية، إذ أوضحت تركيا ومصر والسعودية ودول أخرى أنها ستحذو حذو إيران فور حصولها على أسلحة نووية، ورغم أن "ترامب" لم يفكر مطلقًا في مهاجمة إيران خلال ولايته الأولى، أو السماح لـ "إسرائيل" بذلك، إلا أن قرارين جريئين اتخذهما، وهما الانسحاب من الاتفاق النووي واغتيال قاسم سليماني، مهندس خطة تدمير "إسرائيل" في إيران، غيّرا مجرى الأحداث مجددًا، ودفع ذلك إيران إلى اتخاذ سلسلة من الخطوات المتحدية، وتزايد الإدراك بأنها تقترب من "نقطة اللاعودة".

كما ذُكر في المقدمة، لم يكن من الممكن هذه المرة التشكيك في حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، ردّت "إسرائيل" على العدوان الإيراني بردٍّ أقوى من أي وقت مضى، ولم يكن هناك أي تحفظ في إدارة "بايدن"، ففي حرب الـ 12 يوما، وبشكلٍ أكبر في عملية "زئير الأسد"، انهار التحالف الذي تشكّل على وهم أن منح الحصانة لإيران سيضمن السلام العالمي، ويقود الرئيس "ترامب" حاليًا التحالف الذي تبنّى نهجًا أكثر رصانةً وشجاعةً: لن ينعم العالم الحر بالأمان إلا إذا أبدى استعداده لمحاربة الأنظمة الخبيثة والقاتلة دون أي مساومة.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "تساحي هانغبي"