ترجمة الهدهد

كثفت الدول الأوروبية استعداداتها لمواجهة احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويقود مسؤولون أوروبيون حالياً حراكاً لترويج "خطة بديلة" تهدف إلى تمكين القارة من الدفاع عن نفسها عبر استغلال الهياكل العسكرية القائمة للحلف، وتفعيلها بشكل مستقل تماماً عن الوجود الأمريكي الفعلي.

بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" نشر صباح اليوم الأربعاء، تعتمد الخطة التي فضّل البعض على تسميتها "حلف الناتو الأوروبي"، على توسيع أدوار الدول القارية ضمن آليات القيادة والسيطرة، واستبدال القدرات العسكرية الأمريكية بوسائل دفاعية أوروبية.

وتجري هذه المبادرة حالياً عبر قنوات غير رسمية ومحادثات جانبية بين أعضاء الحلف، مع التأكيد على أن الهدف ليس خلق إطار منافس للناتو، بل الحفاظ على قوة ردع فعالة ضد روسيا، بما في ذلك الردع النووي، وضمان استمرارية العمليات العسكرية حتى لو قررت واشنطن سحب قواتها أو الامتناع عن الدفاع عن حلفائها.

بدأت ملامح هذه الفكرة في التبلور العام الماضي، لكنها اكتسبت زخماً متسارعاً عقب تهديدات "دونالد ترامب" المتكررة، بدءاً من تلويحه بالاستيلاء على "جرينلاند"، وصولاً إلى الجدل حول رفض أوروبا دعم التحركات الأمريكية ضد إيران.

ألمانيا تنضم إلى الحركة

وفي تحول استراتيجي لافت، انضمت ألمانيا بقوة لهذا التوجه في عهد المستشار "فريدريش ميرتس"، بعد عقود من المقاومة للمطالب الفرنسية بتعزيز الاستقلال الأمني الأوروبي، حيث باتت برلين تخشى اليوم من تقلبات السياسة الأمريكية المستقبلية.

من سيتولى السيطرة الفعلية؟

يواجه الطموح الأوروبي تحديات هائلة، نظراً لاعتماد هيكل الناتو بشكل شبه كلي على القيادة الأمريكية في مجالات الاستخبارات والإمداد والقيادة العليا، ومع ذلك يرى الأمين العام للحلف "مارك روته" أن التوجه نحو قيادة أوروبية بات أمراً واقعاً، وهو ما أكده الرئيس الفنلندي "ألكسندر ستوب"، الذي أوضح أن عملية نقل المسؤولية جارية بالفعل كجزء من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، مشدداً على ضرورة إدارة هذا الانتقال بهدوء لضمان عدم حدوث انسحاب أمريكي مفاجئ.

الاستعدادات الميدانية والصناعية

على الصعيد العملي، تدرس الدول الأوروبية قضايا معقدة تشمل إدارة أنظمة الدفاع الجوي والخدمات اللوجستية في حال غياب الضباط الأمريكيين، مع توجه بعض الدول لإعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية، كما تسعى القارة لتسريع الإنتاج العسكري في مجالات حيوية مثل الأقمار الصناعية، والحرب مضادة للغواصات، وتطوير صواريخ كروز والأسلحة فرط الصوتية عبر مشاريع مشتركة، أبرزها التعاون الألماني البريطاني الحالي.

المعضلة النووية والاستخباراتية

رغم التقدم المحرز، يقر المسؤولون بوجود ثغرات يصعب سدها سريعاً، خاصة في مجالي الإنذار المبكر والردع النووي، ويتزايد الضغط حالياً على فرنسا وبريطانيا لتوسيع مظلتهما النووية لتشمل دولاً أوروبية أخرى مثل ألمانيا، وهو سيناريو كان يُعتبر في السابق بعيد المنال.

وفيما تظل واشنطن القوة الوحيدة القادرة على توفير مظلة نووية شاملة، إلا أن أوروبا بدأت تشهد "نهضة أمنية" واستثمارات عسكرية ضخمة، مدفوعة بضغوط "ترامب" والحرب في أوكرانيا، وهو ما يتجلى بوضوح في الحالة البولندية التي باتت تمتلك اليوم أحد أقوى جيوش القارة وأكثر اقتصاداتها نمواً.

المصدر: "القناة 12"/ "أساف روزنزويغ"