قضاة المحكمة العليا يغضون الطرف
ترجمة الهدهد
عندما تشكلت الحكومة الحالية، قُدم التماس ضد تعيين "إيتمار بن غفير" وزيراً للأمن القومي بسبب سجله الجنائي وأفكاره العنصرية، وكان الخطر على الديمقراطية واضحاً للعيان، حينها خلص القاضي "عميت" إلى أن التعيين "يواجه صعوبات" لكنه ليس "غير معقول"، مراهناً على فرضية أن استقلالية الشرطة ستبقى مصانة لتهدئة مخاوف الجمهور.
اليوم انهار هذا الافتراض الساذج بأن الشخص الذي طمح علانية للسيطرة على الشرطة سيكبح جماحه، تماماً كما تبخرت أوهام وجود جدار عازل بين "نتنياهو" رئيس الوزراء و"نتنياهو" المتهم جنائياً.
لم ينتظر "بن غفير" طويلاً لدحض تلك الرهانات؛ فمنذ أسابيعه الأولى، أمر بقمع الاحتجاجات بعنف، وهو ما أكده قائد المنطقة السابق "عامي إيشيد" الذي أُقيل لرفضه تسييس الجهاز، كاشفاً أن "الوزير" أراد رؤية غرف الطوارئ مكتظة بالمتظاهرين، واستمرت حملة التدمير عبر ترقية الضباط الموالين للنهج الوزاري، وعرقلة تعيين المهنيين، والتدخل في التحقيقات الحساسة، وصولاً إلى دعم التساهل مع عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، وهي المهمة التي تيسرت بتعيين "داني ليفي" مفوضاً مطيعاً للشرطة.
جاءت جلسة الاستماع بشأن عزل "بن غفير" متأخرة بشكل "فلكي"، بعد أن كاد الوزير يطبق خطته بالكامل، كانت المستشارة القانونية "غالي بهاراف ميارا" تنوي التحذير من فوات الأوان منذ عام ونصف، إلا أن مخاوف كبار مسؤولي وزارة العدل من ضعف تشكيل المحكمة حالياً دفعها لاتفاق "سخيف" مع الوزير لم يُحترم بالطبع، ولم تكتفِ الحكومة بخرق الاتفاقات، بل وصلت الجرأة إلى توجيه تهديدات لرئيس قسم التحقيقات "بوعز بالت" حين اقترب رجاله من محيط "مكتب نتنياهو".
في جلسة اليوم، وضع القاضي "عوفر غروسكوف" إصبعه على الجرح قائلاً: "تسييس الشرطة مشكلة تتطلب حلاً فورياً ولا تُترك لصناديق الاقتراع"، فالشرطة إذا تحولت لذراع حكومية، ستصبح قادرة على هندسة الانتخابات عبر قمع المعارضين والتغاضي عن ممارسات الموالين. هذا القلق انعكس في سلوك أعضاء الائتلاف داخل قاعة المحكمة، حيث اندلعت أعمال شغب من قبل نواب ووزراء، في حين لجأ محامي الحكومة "ديفيد بيتر" إلى تهديد القضاة بأسطورة "أكتيون" اليونانية، ملمحاً إلى أن تجاوز السلطة قد يؤدي لتمزيقهم.
يبدو أن رسائل التهديد العنيفة قد فعلت فعلها؛ ففي بداية المداولات، بدا نائب الرئيس "نعوم سولبرغ" وكأنه يرفع الراية البيضاء مقترحاً "تسوية" مهينة تقضي باستئناف الحوار بين" نتنياهو" و"بن غفير" والمستشارة، وانضم إليه القضاة "ويلنر وشتاين ومينتز" في موقف اتسم بالعدائية تجاه ممثلي المستشارة القانونية واللين المبالغ فيه تجاه ممثل الوزير، لدرجة أثارت التساؤل عما إذا كان هؤلاء القضاة يدركون الواقع الفعلي الذي تعيشه الدولة.
في المقابل، يظهر القضاة "عميت" و"غروسكوف" و"كبوب" إدراكاً عميقاً لحجم الكارثة؛ حيث ذكّر "عميت" الحضور بملامح "الشرطة السياسية" التي تدعم المعتدين وتُعاقب المهنيين، ومع ذلك، كشفت الجلسة عن محكمة منقسمة لمعسكرين متناحرين، يفتقر فيها عميت للقدرة على قيادة إجماع كاسح.
سيبقى القرار المرتقب في قضية "بن غفير" هو الجواب النهائي على سؤال جوهري: هل لا تزال "إسرائيل" تمتلك محكمة عليا تدرك دورها كمدافع أخير عن نظام يتداعى، أم أنها ستختار كسب الوقت بانتظار انتخابات قد لا تأتي بالحل؟
المصدر: "صحيفة هآرتس"/ "جيدي ويتز"