ترجمة الهدهد

في وقت متأخر من الصباح، صعد فتيان من "فتية التلال" نحو تلة يشغلها أربع جنرالات متقاعدين ورئيس سابق لجهاز الأمن العام (الشاباك)، أحدهما في السادسة عشرة، والآخر لم يتجاوز الثانية عشرة؛ كلاهما بشعر مستعار طويل وقلنسوات كبيرة، يربطان "التيفيلين" على جباههما وأذرعهما، ويحملان عصياً سميكة.

كان المشهد يختزل المواجهة بين "دولة القانون" التي يمثلها القادة المتقاعدون، وبين "دولة المستوطنين" الناشئة بدوافع دينية وقومية متطرفة.

انطلقت هذه الجولة بمبادرة من اللواء "يعقوب أور" ومجموعة تضم 100 كادر أمني سابق، بهدف التوثيق الميداني لجرائم القوميين اليهود في الضفة الغربية، وبدعم معلوماتي من منظمات حقوقية، تركزت الجولة في منطقة "طريق ألون" السريع والمنحدرات الشرقية لجبال الضفة الغربية.

هناك في الوديان حيث تعيش التجمعات البدوية، تطوع نشطاء "إسرائيليون" لقضاء الليالي مع الرعاة الفلسطينيين لردع اعتداءات المستوطنين وتوثيقها بالصور، منعاً لتهرب الشرطة والجيش بذريعة "نقص الأدلة".

يروي النشطاء كيف يتجول فتية المستوطنين في مخيمات الرعاة ويدخلون خيامهم كأنهم ملاكها، في استفزاز مُدبر يهدف لجر الفلسطينيين لأي رد فعل عنيف؛ وهو رد الفعل الذي يُتخذ ذريعة لهجمات ليلية منسقة يشارك فيها عشرات المستوطنين.

وفي حين تحاول بعض وحدات الجيش احتواء هذه الهجمات، تقف وحدات أخرى، لاسيما جنود الاحتلال المتعاطفين أيديولوجياً، مكتوفة الأيدي أو حتى مشاركة في الاعتداءات، وهو ما دفع رئيس الأركان "إيال زامير" مؤخراً لسحب كتيبة من "نتساح يهودا" لإعادة تأهيلها سلوكياً.

في حوار قصير مع الصبية، كان الجواب الوحيد لكل الأسئلة الأخلاقية هو: "الله أعطانا هذه الأرض وهي لنا"، هذا الاعتماد الواثق على النص الديني لتبرير العنف يعكس نوعاً من "الإرهاب الديني" المنهجي.

ورصدت الجولة كيف يتم خنق القرى الفلسطينية عبر إقامة بؤر استيطانية تبدأ بمقطورات وخزانات مياه، وبتمويل من حركة "أمونا" والمجالس المحلية المدعومة من أموال دافعي الضرائب، لتتحول هذه البؤر إلى قواعد انطلاق لدوريات استفزازية داخل القرى الفلسطينية، مستخدمين سيارات دفع رباعي وزعها وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش".

لم تقتصر المشاهد على التواجد البشري، بل شملت السيطرة غير القانونية على آلاف الدونمات عبر نصب أسلاك شائكة لتقليص مراعي الفلسطينيين، ورفع "الأعلام الإسرائيلية" فوق خيام الرعاة.

وفي مشهد صادم، عاينت الجولة اقتلاع مئات أشجار الزيتون المثمرة في أراضٍ خاصة؛ ورغم أن الأوامر العسكرية كانت تقضي بقطع عدد محدود لأسباب أمنية، إلا أن التنفيذ طال مساحات شاسعة، فيما وصفه المقال بأنه "تطهير عرقي تفوح منه رائحة روث الماعز ودخان الحرائق".

أجمع الجنرالات والقادة السابقون على أن ما يجري ليس مجرد "ردود فعل عفوية" أو أعمال "تدفيع ثمن"، بل هي عملية منهجية وممولة تهدف لاستراتجية بعيدة المدى: "تطهير الضفة من الوجود الفلسطيني".

إنها "خطة الحسم" التي وضعها "سموتريتش" عام 2017، ويجري تنفيذها اليوم بتمويله وإدارته المباشرة كوزير في وزارة الأمن ووزارة المالية، وبشراكة كاملة من "نتنياهو" و"بن غفير"، لتحويل الفلسطينيين إلى سكان في جيوب معزولة.

انتهت الجولة بشعور ثقيل بالعار والقلق على مستقبل "إسرائيل"؛ فإذا نجحت هذه المجموعات المتطرفة في فرض رؤيتها، فإن النتيجة الحتمية -حسب رؤية كاتب المقال والجنرالات- هي الانزلاق نحو دولة شرق أوسطية ثنائية القومية، يتحول فيها اليهود إلى أقلية، مما يقضي على "الحلم الصهيوني" كما عرفه مؤسسو الدولة والقادة الأمنيون المتقاعدون.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "رون بن يشاي"