هل يُعدّ الحسم مفهوماً عفا عليه الزمن؟
ترجمة الهدهد
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استحوذ مفهوم "النصر الكامل" على الذاكرة الجماعية الغربية؛ حيث شكلت صورة استسلام ألمانيا النازية أو توقيع اليابان على معاهدة الاستسلام على متن السفينة "ميسوري" توقعاتنا للحرب.
ويقوم هذا المفهوم على وجود جانب واحد مهزوم تماماً، وجانب آخر يملي شروط السلام، بحيث يتغير النظام العالمي في لحظة واحدة، لكن الواقع الجيوسياسي للقرن 21، ولا سيما الحملة الأمريكية ضد إيران، يُعلّمنا درساً معاكساً، وهو أن عهد اتخاذ القرارات الثنائية قد ولّى، واليوم لا تُحقق الانتصارات بالضربة القاضية، بل بتراكم النقاط ببطء وجهد مضنٍ.
تُعدّ الحرب "الأمريكية الإسرائيلية" ضد إيران أوضح مثال على هذا التغيير؛ حيث تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في حرب "نقاط" ضد النظام الإيراني، وفي هذا الصراع، لا يوجد غزو بري لطهران، ولا يُتوقع استسلام رسمي، بل نشهد بدلاً من ذلك رقعة شطرنج متعددة الأطراف، تتجلى في عملية عسكرية شاقة بآلاف الأهداف، لكنها محدودة من حيث النتيجة النهائية.
وفي الواقع، فإن كل عمل عسكري ليس سوى "نقطة" أخرى على لوحة النتائج، إذ إن النصر في هذه الحالة ليس تدمير العدو، بل تفكيك قدراته تدريجياً.
يتكرر هذا النمط أيضاً في الساحة الأوروبية؛ فعندما بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا، كان "بوتين" يحلم بقرار سريع يتمثل في احتلال "كييف" في غضون أيام وتنصيب نظام موالي، وفي المقابل كان الغرب يأمل في انهيار روسيا تحت وطأة العقوبات.
واليوم وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب، بات من الواضح أن كلا الجانبين قد دخلا في حالة "انتصار جزئي"، حيث تحولت الحملة إلى حرب استنزاف بطيئة يُقاس فيها الإنجاز بالسيطرة على الأراضي أو الخسائر الاقتصادية، ولن تشهد أوكرانيا تفكك روسيا غداً، كما لن تنجح روسيا في إخضاع الروح الأوكرانية، فهو صراع على الشرعية والبقاء الاقتصادي وإمدادات الأسلحة، أي أنه لعبة استنزاف لا لعبة حسم عسكري تقليدي.
هنا أيضاً، يُجسّد "صراع إسرائيل" مع الفلسطينيين هذا الواقع الجديد؛ فعلى مدى عقود، سعت "إسرائيل" إلى تحقيق "حل"، أحياناً عبر وسائل عسكرية واسعة النطاق، وأحياناً عبر عمليات سلام جذرية، لكن الواقع أثبت أن هذا الصراع ليس ثنائياً.
تُقاس انتصارات "إسرائيل" بالعمليات العسكرية، وسنوات الهدوء، وبناء جدار تكنولوجي، أو في إحباط البنى التحتية باستمرار، وفي المقابل ينظر الفلسطينيون إلى "صمودهم" (موقفهم الثابت) وانتصاراتهم على الساحة الدولية على أنها تراكم نقاط في حملة طويلة الأمد.
ورغم أن الحرب التي تلت 7 أكتوبر أعادت مصطلح "النصر الكامل" إلى الخطاب لفترة وجيزة، إلا أنه من الواضح هنا أيضاً أن "اليوم التالي" لن ينتهي بحفل استسلام على متن سفينة، بل بإدارة معقدة لواقع ما بعد الحرب المرهق.
إن القاسم المشترك بين كل هذه المجالات هو التراجع الحاد في قوة القوى العظمى؛ ففي عصر ما قبل الأسلحة النووية والاقتصاد العالمي المتكامل، كانت القوى العظمى قادرة على استخدام القوة الغاشمة لفرض إرادتها.
أما اليوم فالقوة العظمى هي أيضاً القيد الأكبر، وتُظهر الولايات المتحدة وروسيا مراراً وتكراراً أنهما عملاقتان، لكنهما عاجزتان أمام دول أصغر حجماً تستغل عجز القوة العظمى عن ممارسة كامل قوتها، خوفاً من حرب عالمية أو انهيار اقتصادي شامل.
إن الانتقال من نصرٍ حاسم إلى نصرٍ قائم على النقاط يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة تفكيرنا، وعلينا أن نتخلى عن وهم النهاية الواضحة، فالنصر في هذه المرحلة هو القدرة على المثابرة، والحفاظ على "صمود الوطن" على مر الزمن، وإدراك أن كل إنجاز تكتيكي ليس إلا مرحلة أخرى في مسيرة لا تنتهي، وفي عصر تتلاشى فيه القوى العظمى وتتطور فيه القوى الصغيرة، يكون النصر حليف من يملكون متسعاً من الوقت لحصد النقاط تباعاً، سعياً وراء ميزة استراتيجية لن تكون مطلقة، لكنها ستكون ضرورية دائماً.
المصدر: "إسرائيل هيوم"/ "نسيم كاتز"، خبير في الإعلام والسياسة