ترجمة الهدهد

مقال رأي

وسط التوترات المتصاعدة بين تركيا و"إسرائيل" بشأن إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين "إسرائيليين" كبار، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجدداً هذا الأسبوع بأن بلاده، كما تحركت في "ناغورنو كاراباخ" وليبيا، قادرة أيضاً على التحرك ضد "إسرائيل"؛ شريطة أن تكون قوية بما يكفي.

تمثل هذه التصريحات فرصة سانحة لدراسة الأسئلة الملحة: هل هناك أساس من الصحة لهذه التهديدات؟ وهل أنقرة قادرة فعلاً على تشكيل خطر عسكري حقيقي على "إسرائيل"؟

فرص العمليات البرية التركية

عملياً ومنذ غزو قبرص عام 1974، لم تنفذ تركيا غزواً تقليدياً واسع النطاق بهدف السيطرة الإقليمية الكاملة، لكنها نفذت عمليات برية كبيرة في سوريا والعراق، ففي سوريا أدارت أنقرة عمليات واسعة بمشاركة قوات نظامية وعناصر محلية، وأرست وجوداً مستمراً في الشمال.

أما في العراق، فكانت تحركاتها أكثر محدودية، واقتصرت على توغلات عميقة وإنشاء قواعد عسكرية.

وكان الهدف الرئيسي لتلك العمليات في دول الجوار التركي هو مواجهة التحدي الكردي، الذي يُصنف كتهديد مباشر للأمن القومي التركي، في المقابل اتسم التدخل التركي في ليبيا وأذربيجان بوجود عسكري محدود، اقتصر على تقديم المشورة، وتشغيل الطائرات المسيّرة، وتوفير المعدات، ودعم القوات المحلية والاستعانة بمقاتلين سوريين.

سيناريو الغزو من البحر

أما بشأن احتمال وقوع غزو بحري، فيُعد الأسطول التركي من أقوى الأساطيل في المنطقة، لكن غزوًا برمائيًا لـ "إسرائيل" يظل غير ممكن عسكريًا في ظل الظروف الراهنة؛ إذ يتطلب هذا السيناريو سيطرة بحرية وجوية طويلة الأمد لإنزال قوات ضخمة، وتبدو فرص نجاح محاولة كهذه ضئيلة للغاية، كونها ستصطدم بجهود "إسرائيلية" مشتركة تشارك فيها البحرية والقوات الجوية وأنظمة الدفاع الجوي والاستخبارات، مما يتيح الكشف المبكر وضرب القوة الغازية في أعماق البحار قبل وصولها إلى الساحل.

الصراع الجوي وفجوة الخبرة

في الجانب الجوي، يتمتع "سلاح الجو الإسرائيلي" بميزة واضحة على نظيره التركي، سواء من حيث الخبرة العملياتية أو جودة المنصات القتالية، وذلك رغم جهود التحديث التركية المستمرة وتوقيع اتفاقيات لشراء طائرات "يوروفايتر"، وحتى الآن لم تبع الولايات المتحدة تركيا طائرات "إف-35" المتطورة.

من الناحية العملياتية، اكتسبت "إسرائيل" خبرة واسعة في ساحات معقدة، شملت ضربات عميقة ضد أنظمة دفاع جوي متقدمة، كما ظهر بوضوح في المواجهتين الأخيرتين مع إيران، بينما اكتسبت تركيا خبرتها بشكل أساسي في نزاعات منخفضة إلى متوسطة الشدة، مع التركيز على المسيرات، هذه الفجوة تؤثر جذرياً على القدرة على تنفيذ عملية واسعة النطاق ضد خصم متطور، مما يجعل سيناريو الغزو المباشر غير مرجح في المستقبل المنظور.

التهديدات غير المباشرة والساحة السورية

يبرز الخطر التركي الأكبر في شكل تهديد غير مباشر عبر دعم قوى سنية متطرفة في الساحة الشمالية، وهو سيناريو طرحته "لجنة ناغل" حول الوجود التركي في سوريا واحتمالية تسببه في تصعيد ميداني، ورغم أن التدخل التركي في سوريا يهدف أساساً لإضعاف الميليشيات الكردية، إلا أن تعزيز وجود أنقرة العسكري هناك قد يزيد من خطر الاحتكاك العملياتي مع "القوات الإسرائيلية"، ما قد يؤدي لتصعيد غير مقصود، رغم وجود آليات أمنية لمنع الاحتكاك.

الإرادة والقدرة تحت مجهر الواقع

حتى الآن انصب النقاش على القدرات بافتراض وجود الدافع، لكن ليس هناك يقين بأن تركيا تنوي فعلياً تبني موقف يهدد "إسرائيل" عسكرياً بشكل مباشر؛ ويعود ذلك جزئياً للضغوط المتوقعة من حلف الناتو وواشنطن، ولتخوفها من رد "إسرائيلي" مميت، على غرار ما اختبرته طهران مؤخراً.

لذا، يبدو أنه على المدى القريب، لا ينبغي إيلاء أهمية مفرطة للتهديد التركي الذي يظهر كرد فعل على الصعود الإقليمي لـ "إسرائيل" وتعاونها مع واشنطن ضد إيران، ومع ذلك لا يمكن استبعاد تطور تهديد حقيقي على المدى البعيد، خاصة مع تعمق التدخل العسكري التركي في سوريا ومحاولات ترسيخ الوجود في غزة.

إن طموحات الرئيس أردوغان "العثمانية الجديدة" ورغبته في زعامة العالم الإسلامي السني قد تدفعه لاتخاذ خطوات تتجاوز الخطاب العدائي؛ لذا، يبقى من الأفضل لـ "إسرائيل" أن تظل متيقظة وتتابع تحركات أنقرة باهتمام شديد.

المصدر: ""إسرائيل" هيوم"/ "نوعا لازيمي"، باحثة في معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية