ترجمة الهدهد

مقال رأي

بات لبنان اليوم جبهة استراتيجية هامة، مما يجعل إقامة شراكة مع "إسرائيل" أمراً يتطلب تنسيقاً دقيقاً للتوقعات.

كانت المكالمة الهاتفية التي لم تُجرَ الخميس الماضي بين "بنيامين نتنياهو" والرئيس اللبناني جوزيف عون، بمثابة الاختبار المحوري والأهم لإنهاء الحرب في لبنان، غير أن الاهتمام الإعلامي المُبرَّر بهذه المكالمة -أو بالأحرى بعدم وقوعها- غفل عن حقيقة أن الحكومة اللبنانية ورئيسها كانا يُعتبران، حتى قبل أيام قليلة، غير ذي صلة في أوساط "إسرائيل" الرسمية، لكن بعد ساعات قليلة، أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أن "إسرائيل" و"نتنياهو"، بناءً على أوامره، وافقا على هدنة لمدة 10 أيام مع الحكومة اللبنانية، وهو أمر اكتسب الآن أهمية قصوى.

لقد قوبلت تصريحات القيادة اللبنانية -التي استمرت 61 شهراً وأوضحت أن لبنان قرر الدخول في مسار تصادمي مؤكد مع حزب الله- بردود فعل سلبية في "إسرائيل"، وحتى عندما أعلنت الحكومة اللبنانية الصيف الماضي أنها ستكلف جيشها بوضع خطة عملياتية لنزع أسلحة حزب الله في جنوب لبنان، لم يُبدِ "الجيش الإسرائيلي" و"الحكومة الإسرائيلية" أي إعجاب يُذكر.

وقد استهزأت "إسرائيل" بالتحول التاريخي الذي أنكرت فيه الحكومة اللبنانية شرعية حزب الله العسكرية، وبالتوبيخ الصريح الذي وجهه عون مؤخراً لإيران حين طالبها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، مدعوماً بقضية السفير الإيراني الذي عجز لبنان عن طرده من أراضيه حتى اليوم، وترافقت هذه الأحداث مع تقارير تفيد بأن الجيش اللبناني استولى بالفعل على كمية من الأسلحة وسيطر على قواعد لحزب الله في جنوب البلاد، إلا أن الفجوة بين "التفكيك الكامل للحزب" -كما طالبت "إسرائيل"- وبين التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، لا ترقى إلى مستوى التزام لبنان بموجب اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، اللذين يستند إليهما،

حتى حين أمرت الحكومة اللبنانية الجيش باعتقال كل من يحمل أسلحة غير مرخصة، ورفضت بشدة مؤخراً التدخل الإيراني في جهودها لتحقيق وقف إطلاق النار "نيابةً عنها"، واصلت "إسرائيل" قصف لبنان، مما تسبب في نزوح نحو ربع مليون نسمة، وسيطرت على منطقة أمنية تمتد لعدة كيلومترات، وأقامت قواعد عسكرية في الأراضي التي استولت عليها، ووسعت نطاق قصفها في بيروت ووادي لبنان، مهددةً "بإعادة لبنان إلى العصر الحجري"، كما تجاهلت "إسرائيل" حقيقة أن الحكومة اللبنانية، في سياستها العدائية تجاه حزب الله، عرضت عليها "جداراً فاصلاً" بين إيران ولبنان.

إن سلسلة الأحداث التي سبقت المحادثات التي جرت في باكستان بين إيران والولايات المتحدة يوم السبت الماضي -والتي هدد خلالها رئيس الوفد الإيراني، "محمد باقر قاليباف"، بتجنب المفاوضات إذا لم يُعلن وقف إطلاق النار في لبنان- أجبرت "إسرائيل" في نهاية المطاف على الاستسلام، بعد أن أمر الرئيس "دونالد ترامب" "نتنياهو" بتقليص نطاق الهجمات في بيروت ووادي لبنان، والباقي معروف، أما الاجتماع التاريخي الذي عُقد يوم الثلاثاء في واشنطن بين "السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر" والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، برعاية وزير الخارجية الأمريكي "ماركو روبيو"، فقد حوّل لبنان "فجأة" إلى صديق وشريك وحليف، وبالطبع وجهة سياحية بارزة لا بد من زيارتها والتعرف على مطبخها، ففي نهاية المطاف، لزيارة لبنان، لا تحتاج حتى إلى حجز رحلات طيران، يمكنك القيام بذلك بالسيارة أو الدبابة، كان رفض الرئيس اللبناني الاتصال برمز المنطقة 972 والتحدث بلطف مع "نتنياهو" بمثابة خيبة أمل عميقة، وإهانة لـ "إسرائيل" التي تسعى للسلام، و"تقوية" لحزب الله، وبرهان -إن كان ثمة حاجة لبرهان- على ضعف الحكومة اللبنانية، ومكافأة لإيران، لا أقل من ذلك.

لكن لبنان، الذي كان يُفترض أن يكون ساحة ثانوية -منفصلة عن الجبهة الرئيسية ضد إيران، والتي اعتُبرت هامشية في رؤية ترامب واهتماماته حتى بداية الحرب- لم يعد مجرد ساحة صراع مستمر بين "إسرائيل" وحزب الله، بل أصبح الآن جزءًا لا يتجزأ من الوسط السياسي الذي يربط إيران والولايات المتحدة ومفاوضات فتح مضيق هرمز والاتفاق النووي، وترى إيران أن لبنان جزء لا يتجزأ من أي اتفاق يُوقع بينها وبين الولايات المتحدة، وتنظر إيران، التي رفضت بشدة أي نقاش حول علاقاتها مع حلفائها، إلى التقارب بين لبنان و"إسرائيل"، وإلى مساعي الولايات المتحدة لتعزيز العلاقات بينهما، على أنها محاولة لفرض وقائع سياسية تُمكّنها من تجاوز رفضها فك الارتباط مع حلفائها.

وعندما أثار الإعلان عن المكالمة الهاتفية بين عون و"نتنياهو" اهتمام وسائل الإعلام العالمية، أدركت إيران أن هذه المحادثة، أكثر من الاجتماع الدبلوماسي المباشر في واشنطن، قد تُلحق ضرراً مباشراً باستراتيجيتها الدبلوماسية والسياسية، فسارع "قاليباف" بالاتصال بنظيره، رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، وذكّره بأن مفتاح المفاوضات بين لبنان و"إسرائيل" لا يقتصر على التطورات على الأرض فحسب، بل يشمل أيضاً "المحور الإقليمي"، أي إيران، وأوضح "قاليباف" قائلاً: "إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يقل أهمية بالنسبة لنا عن وقف إطلاق النار مع إيران"، ومن وجهة نظر إيران، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار في لبنان بشروط طهران، ومن منظورها، لا يقتصر هدف وقف إطلاق النار هذا على الحفاظ على مكانة حزب الله وقوته العسكرية فحسب، بل يهدف أيضاً إلى حرمان" ترامب" و"إسرائيل" من السيطرة على التحركات السياسية، وإبقاء ورقة الضغط اللبنانية في يد إيران.

تبنى بري زعيم حركة أمل الشيعية -الذي أيد مؤخراً سياسة "احتكار الدولة للأسلحة" بل وواجه إيران بشأنها- تصريحات "قاليباف"، وفي بيان أصدره بري عقب مكالمته الهاتفية معه، أوضح قائلاً: "نحن، المقاومة، ثابتون على موقفنا، أي اتصال أو تشاور مع الكيان الصهيوني ليس في مصلحة لبنان على الإطلاق".

إن "انقلاب" بري البالغ من العمر 88 عاماً، ليس بالأمر الغريب على هذا الزعيم الشيعي المخضرم، الذي شغل منصب حلقة الوصل والوسيط بين حزب الله والأمريكيين في جولات سابقة من المفاوضات، صحيح أن بري ليس "رجل إيران" في لبنان، إلا أنه يُدرك نفوذه الكبير؛ فحزب الله في أمسّ الحاجة إليه، تماماً كما تحتاج إليه الحكومة اللبنانية، التي طلبت دعمه وحصلت عليه قبل إعلان قرارها إجراء مفاوضات مع "إسرائيل"، وفي لعبة النفوذ بين إيران والحكومة اللبنانية، تلعب الاعتبارات السياسية دوراً هاماً بالنسبة لبري، حيث يُمكنه أن يُقدّم نفسه "مدافعاً عن الشيعة" تماماً كما يفعل حزب الله.

أوضح بيان بري لعون أن مكالمة هاتفية مع "نتنياهو" قد تتحول إلى "ذريعة حرب" -أي ذريعة لحرب داخلية قد تتصاعد إلى اشتباكات عنيفة، بل وحتى حرب أهلية، هذا هو الخوف الذي رافق عون منذ أن قرر مواجهة حزب الله بشكل مباشر بشأن مسألة نزع سلاحه، وللحد من هذا التهديد، تبنى الرئيس اللبناني سياسة مرنة انعكست في خطة الجيش اللبنانية المرحلية: أولاً، نزع السلاح في جنوب لبنان، ببطء وحذر، مع مراعاة شروط حزب الله؛ ثم الموافقة على خطط الجيش للمرحلة الثانية، التي كان من المفترض أن تبدأ بنزع السلاح شمال الليطاني، دون تنفيذها، وتصريحات حول النوايا المستقبلية لنزع جميع الأسلحة مع الحفاظ على الحوار مع الحزب.

سعى عون إلى تأجيل هذه الخطوات حتى الانتخابات المتوقعة في مايو/أيار، وبناءً على نتائجها ومستوى الدعم الشعبي الذي يحظى به، سيقرر خطواته التالية، لكن الحرب مع إيران أربكت خياراته؛ فقد أدى تجدد الحرب بين "إسرائيل" وحزب الله، وحجم الدمار والقتل -حيث قُتل أكثر من 1800 شخص منذ بداية مارس/آذار- وتفجير الجسور على نهر الليطاني الذي يهدد بعزل جنوب لبنان عن بقية البلاد، إلى وضع عون في مأزق صعب، فالأمر لا يقتصر على اختبار سلطته وسلطة حكومته فحسب، بل إن حزب الله، رغم ضعفه وهشاشته، يستعيد مكانته السياسية كقوة مهيمنة على تحركات البلاد، وبالتالي على مكانة إيران أيضاً.

سعى عون بشدة إلى وقف إطلاق النار، ليس كنتيجة ثانوية للصراع على النفوذ بين إيران والولايات المتحدة، بل كإنجاز له وللحكومة اللبنانية، الشريكان الوحيدان القادران على تحقيق هذا الإنجاز هما "نتنياهو" و"ترامب"، وحتى وقت قريب لم يُبدِ أي منهما أي رغبة في المساعدة، ومن المفارقات، أن تدخل إيران ومحاولاتها الحثيثة لدعم لبنان هما ما أوضح لـ "ترامب" أن لبنان بات ساحة استراتيجية، وأن مطلب نزع سلاح حزب الله، على أهميته، لم يكن غير واقعي فحسب، كما أكد "الجيش الإسرائيلي" ومبعوثه الخاص توم باراك سابقاً، بل أشعل فتيل حرب تصب في مصلحة إيران.

إذا تم تنفيذ وقف إطلاق النار المؤقت الذي أعلنه "ترامب" أمس، واستمر العمل به، فسيكون ذلك أول إنجاز جوهري يمكن للحكومة اللبنانية تقديمه كنتيجة لسياستها، وسيتمكن الرئيس عون من استخدام هذا الإنجاز لتبرير ليس فقط الاجتماع المباشر بين الوفدين "الإسرائيلي" واللبناني، بل أيضاً الخطوات الدبلوماسية اللاحقة، واستئناف المفاوضات بشأن ترسيم الحدود، ومناقشة الترتيبات الأمنية، وربما في نهاية المطاف مكالمة هاتفية بين عون و"نتنياهو"، مع ذلك يجب أن يركز النقاش الرئيسي على تنسيق التوقعات بين الطرفين، لن يصبح الجيش اللبناني قوة جبارة في يوم أو عشرة أيام تهاجم معاقل حزب الله وتفجر مواقعه في جميع أنحاء البلاد، يجب أن تتعامل خطة العمل الواقعية الآن مع الحكومة اللبنانية كشريك في المصالح، ولكن في بيئة متفجرة تتجه نحو الانهيار، ولا يمكن تعزيز هذه الشراكة الضرورية بمطالب نهائية يعجز حتى "الجيش الإسرائيلي" عن تلبيتها.

المصدر: "صحيفة هآرتس"/ "تسفي بارئيل"