ترجمة الهدهد

إنّ سلسلة التقارير الإخبارية الأخيرة حول المشاكل التأديبية وانتهاكات القيم الأخلاقية في "الجيش الإسرائيلي" تستدعي من "رئيس الأركان إيال زامير" اتخاذ إجراءات فورية.

يجب أن تتجلى هذه الإجراءات في خطوات قيادية ورسالة عامة تلقى صدىً واسعاً داخل "الجيش" وخارجه، على "رئيس الأركان" إعادة بناء الركيزة الأخلاقية للجيش، التي تُعدّ أساس قوته ونجاحه في تنفيذ مهامه.

بحسب تصريحات ضباط كبار في مؤتمرات صحفية، اضطر "زامير" إلى "انتقاء معاركه" بسبب الاحتكاك المستمر مع القيادة السياسية، ولا شك أن التحدي في هذا المجال أشدّ وطأة من أي وقت مضى، فليس هناك سابقة لوضع يهاجم فيه "رئيس الوزراء" ووزير الجيش وأعضاء الحكومة والكنيست قادة الجيش بشكل شبه يومي، ويقتحمون القواعد، ويشجعون على انتهاكات الانضباط وسلوكيات تتنافى مع قيم الجيش.

وينشغل الوزير "يسرائيل كاتس" بتأجيج الصراعات علنًا مع المؤسسة التي يرأسها، وأصبحت اجتماعات مجلس الوزراء مسرحًا إعلاميًا واسع النطاق لمهاجمة رئيس الأركان.

مع ذلك، لا يملك رئيس الأركان في هذه المسألة امتياز "اختيار معاركه"، فمهام الجيش معقدة أخلاقياً بطبيعتها؛ والجيش الذي يتخلى عن الانضباط والقيم يتحول إلى عصابة مسلحة، يفقد جنودها إنسانيتهم، وينتهي بهم المطاف مهزومين حتى في ساحة المعركة، ومسؤولية القائد الأعلى للجيش عن الحفاظ على الانضباط والمعايير الأخلاقية لمن يرتدون الزي العسكري مسؤولية مطلقة.

حتى الآن، اكتفت القيادة العسكرية بتصريحات مبهمة حول "تحسين الإجراءات"، ولم تتخذ أي خطوات قيادية إلا في الحالات التي أثارت صدى دوليًا واسعًا (مثل إطلاق النار على موظفي منظمات دولية في غزة، وتحطيم تمثال السيد المسيح في لبنان)، يأتي هذا في الوقت الذي تتزايد فيه التقارير عن أعمال عنف تحت رعاية الجيش، وأحيانًا بمشاركة جنوده في الضفة الغربية، وعن إطلاق النار على المدنيين والنهب في ساحات القتال في غزة ولبنان (وقد تحدث رئيس الأركان هذا المساء عن المشاكل التأديبية الخطيرة التي تم اكتشافها في الجيش).

كما يتجلى التخبط في القيم والانحراف عن التعليمات في الجبهة الداخلية للجيش، كما ظهر في توجيه المجندات المشاركات في ماراثون القدس بارتداء سراويل طويلة، أو في معاقبة المجندات اللواتي حضرن بملابس "غير محتشمة" يوم تسريحهن، وغير ذلك.

أحيانًا تصل الأمور إلى حدّ المساس بروح "الجيش الإسرائيلي"، سواءً في الوثيقة التي تحمل اسمه أو في معناها العام، على سبيل المثال في حالة عودة جنود من "القوة 100" إلى الخدمة الاحتياطية، بعد إسقاط التهم الموجهة إليهم في قضية الاعتداءات بالاغتصاب على معتقل فلس في "ساديه تيمان"، دون أي بيان أخلاقي بشأن الأفعال المنسوبة إليهم، ودون استكمال تحقيق القيادة في قضيتهم.

إن الجيش الذي يتخلى عن القيم الأخلاقية والانضباط يتحول إلى عصابة مسلحة، يفقد جنودها إنسانيتهم.

لا يمكن تجاهل هذا التدهور، إذ يُعزى إلى شعور القادة الذين تضررت سلطتهم بعد فشل 7 أكتوبر، ويؤدي هذا الشعور أيضاً إلى استقالة عدد كبير من الضباط المتميزين في الرتب المتوسطة، ويزداد الوضع سوءاً مع استمرار الحرب بلا هوادة، وهو ما يتعارض مع "رؤية إسرائيل الأمنية" وطبيعة "الجيش الإسرائيلي"، ويأتي هذا بموافقة تامة من القيادة العسكرية التي تخلت عن دورها في صياغة الحملة، وأصبحت مجرد أداة تنفيذية لقيادة سياسية فاسدة.

إن الحرب المطولة تجعل من الصعب على المشاركين فيها الحفاظ على صورة المحارب، كما أن استنزاف القوات النظامية والاحتياطية - إذ لم تُصمم قوات الاحتياط وتُبنى لتقديم مئات الأيام من الخدمة سنوياً للسنة الثالثة على التوالي - يُضعف سلطة القادة، ويُنشئ صفوفاً من "مرتزقة الاحتياط"، ويترك الكثيرين في الخدمة ينظرون إلى كل فلسطيني أو لبناني كعدو محكوم عليه بالموت أو الإذلال.

يضطلع "زمير" بدور مزدوج هنا: أولاً، تجديد الالتزام بقيم "الجيش الإسرائيلي" وروحه من خلال بيان حازم، دون مراوغة أو تبريرات من قبيل "العنف في الضفة الغربية يضر بالمستوطنات"؛ ثانياً، عليه أن يترجم أقواله إلى أفعال من خلال اتخاذ خطوات قيادية تجاه من عصوا أوامره. عليه أن يدرك أن مثل هذه الرسالة ستنتشر سريعاً بين صفوف الجيش وتُقوّمهم - وهذا هو الجانب الإيجابي في كون الجيش منظمة هرمية غير ديمقراطية.

كما يجب عليه أن يوضح حتى لأوساط سياسية معادية، معنى وعواقب هذه الحرب التي لا تنتهي، والتي باتت أهدافها غامضة وذات طابع سياسي واضح (حتى في الرأي العام، كما تكشف استطلاعات الرأي)، والتي تُهدد بتفكيك الجيش الذي يقوده.

المصدر: "صحيفة هآرتس"/ "إديث شفران جيتلمان" و"عوفر شيلح"، شلح رئيس برنامج أبحاث سياسة الأمن القومي في معهد الدراسات الأمنية والأمنية؛ و"شفران جيتلمان" باحثة أولى في البرنامج.